بَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ
(وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْت خَلْقِي) بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ (فَحَسِّنْ خُلُقِي) بِضَمِّهَا وَضَمِّ اللَّامِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ) قَدْ كَانَ ﷺ مِنْ أَشْرَفِ الْعِبَادِ خَلْقًا وَخُلُقًا، سُؤَالُهُ ذَلِكَ اعْتِرَافًا بِالْمِنَّةِ وَطَلَبًا لِاسْتِمْرَارِ النِّعْمَةِ وَتَعْلِيمًا لِلْأُمَّةِ.
الذِّكْرُ مَصْدَرُ ذَكَرَ وَهُوَ مَا يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُ اللَّهِ (وَالدُّعَاءُ) مَصْدَرُ دَعَا وَهُوَ الطَّلَبُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْحَثِّ عَلَى فِعْلِ الشَّيْءِ نَحْوُ دَعَوْت فُلَانًا اسْتَعَنْته. وَيُقَالُ: دَعَوْت فُلَانًا سَأَلْته، وَيُطْلَقُ عَلَى الْعِبَادَةِ وَغَيْرِهَا.
(وَاعْلَمْ) أَنَّ الدُّعَاءَ ذِكْرُ اللَّهِ وَزِيَادَةٌ فَكُلُّ حَدِيثٍ فِي فَضْلِ الذِّكْرِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِدُعَائِهِ فَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ قَرِيبٌ يُجِيبُ دُعَاءَهُمْ فَقَالَ: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ وَسَمَّاهُ مُخَّ الْعِبَادَةِ فَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ» وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْضَبُ عَلَى مَنْ لَمْ يَدْعُهُ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يَسْأَلْ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ» وَالْأَحَادِيثُ فِي الْحَثِّ عَلَيْهِ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ وَالِاعْتِرَافَ بِغِنَى الرَّبِّ وَافْتِقَارَ الْعَبْدِ وَقُدْرَتِهِ تَعَالَى، وَعَجْزَ الْعَبْدِ وَإِحَاطَتَهُ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ فَالدُّعَاءُ يَزِيدُ الْعَبْدَ قُرْبًا مِنْ رَبِّهِ وَاعْتِرَافًا بِحَقِّهِ، وَلِذَا حَثَّ ﷺ عَلَى الدُّعَاءِ، وَعَلَّمَ اللَّهُ عِبَادَهُ دُعَاءَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الْآيَةَ وَنَحْوَهَا وَأَخْبَرَنَا بِدَعَوَاتِ رُسُلِهِ وَتَضَرُّعِهِمْ حَيْثُ قَالَ أَيُّوبُ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وَقَالَ زَكَرِيَّا ﵇: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ وَقَالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ وَقَالَ أَبُو الْبِشْرِ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الْآيَةَ وَقَالَ يُوسُفُ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ وَقَالَ يُونُسُ: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ وَدَعَا نَبِيُّنَا ﷺ فِي مَوَاقِفَ لَا تَنْحَصِرُ عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ وَغَيْرِهَا، وَدَعَوَاتُهُ فِي الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ وَالصَّلَوَاتِ وَغَيْرِهَا مَعْرُوفَةٌ. فَالْعَجَبُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِذِكْرِ الْخِلَافِ بَيْنَ مَنْ قَالَ التَّفْوِيضُ وَالتَّسْلِيمُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ، فَإِنَّ قَائِلَ هَذَا