وَقَلَّمَا يَخْلُو عَنْ هَذِهِ الْآفَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي ذَمِّ الشُّعَرَاءِ ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]- إلَى آخِرِ السُّورَةِ) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] أَيْ وَادِي الْكَلَامِ ﴿يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] يَذْهَبُونَ ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦] وَلَمَّا نَزَلَ «وَالشُّعَرَاءُ» الْآيَةَ «جَاءَ حَسَّانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ إلَى النَّبِيِّ يَبْكُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » الْمَادِحِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْهَاجِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ تَعَالَى « ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » فِي شِعْرِهِمْ وَغَيْرِهِ « ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » بِهَجْوِهِمْ « ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » مُكَافَأَةَ هَجْوِ الْكُفَّارِ - « ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] » - وَقُرِّرَ فِي مَحَلِّهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ الصِّيغَةِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ فَالْآيَةُ صَدْرُهَا دَلِيلُ الْمَنْعِ وَذَيْلُهَا دَلِيلٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَخِيرِ تَأَمُّلٌ أُصُولِيٌّ فَتَأَمَّلْ وَفِي الْحَدِيثِ الشِّعْرُ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ وَفِي الْأَخْبَارِ أَيْضًا اُهْجُوهُمْ تَدْعُوهُمْ وَقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُ الِاخْتِلَافِ وَمَا هُوَ الْحَقُّ فِيهِ وَفِي الْمَبَارِقِ عَلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَفِيهِ «اسْتِحْسَانُ النَّبِيِّ ﵊ شِعْرَ أُمَيَّةَ» لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِقْرَارِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْبَعْثِ إلَى آخِرِهِ
وَعَنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ «جَالَسْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَنَاشَدُونَ وَيَتَذَاكَرُونَ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ سَاكِتٌ وَهُوَ يَبْتَسِمُ مَعَهُمْ» وَعَنْهُ ﵊ «إنَّ مِنْ الشِّعْرِ لَحِكْمَةً وَإِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا» وَفِي الشِّرْعَةِ وَرُبَّمَا كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يُنْشِدُ مِنْ الْأَرَاجِيزِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﵊ «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وَعَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ لِصُدُورِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْمُصَادَرَةِ وَالتَّحَكُّمِ بَلْ الْجَوَابُ الْحَقُّ مَا فِي الْأَشْبَاهِ وَقَدْ سَبَقَتْ الْإِشَارَةُ أَنَّ الْقَصْدَ مُعْتَبَرٌ فِي الشِّعْرِ وَلَيْسَ بِمُعْتَبَرٍ فِي كَلَامِهِ ﵊ بَلْ وَاقِعٌ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ وَمِثْلُهُ مَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْهُ ﵊ حِينَ أَصَابَهُ حَجَرٌ بِرِجْلِهِ فَعَثَرَ فَقَالَ «هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» وَهَذَا مِنْ الرَّجَزِ أَيْضًا وَفِي حَفِيدِ السَّعْدِ الشِّعْرُ مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْهِ ﵊ ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ» وَقَوْلُهُ «هَلْ أَنْتِ إلَّا إصْبَعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ» اتِّفَاقِيٌّ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَقَصْدٍ عَلَى أَنَّ الْخَلِيلِ مَا عَدَّ الْمَشْطُورَ مِنْ الرَّجَزِ شِعْرًا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ حَرَّكَ التَّاءَ وَكَسَرَ الْيَاءَ الْأُولَى بِلَا إشْبَاعٍ وَسَكَّنَ الثَّانِيَةَ وَكَانَ الشِّعْرُ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْكَلَامِ وَلَكِنْ لَا يَتَأَتَّى