قال في «الانتصاف»: لو عرَّف المؤمنين فقال: لا يسخر المؤمنون والمؤمنات بعضُهم من بعضٍ لعمَّ، ومراده أنَّ في التَّنكير يحصل أنَّ كلَّ جماعةٍ منهيَّة على التَّفصيل وهو (¬١) أوقعُ. وقال الطِّيبيُّ: استغراقُ الجنس أيضًا يرادُ منه التَّفصيل. والمعرَّف بتعريف العهدِ الذِّهنيِّ مفيدٌ للتَّفصيل أيضًا كالنَّكرة؛ إذ المعنى لا يسخرْ من هو مسمَّى بالقومِ من قومٍ مثله. قال ابنُ جنِّي: مفادُ نكرةِ الجنس مفادُ معرفتهِ من حيث كان في كلِّ جزءٍ منه معنى ما في جملتهِ. انتهى.
وقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ كلامٌ مستأنفٌ وردَ مورد جواب المستخبر (¬٢) عن علَّة النَّهي، وإلَّا فقد كان حقُّه أن يُوصَلَ بما قبله بالفاء، والمعنى: وجب (¬٣) أن يعتقد كلُّ واحدٍ أنَّ المسخور منه ربَّما كان عند الله خيرًا من السَّاخر إذ لا اطِّلاع للنَّاس إلَّا على الظَّاهر (¬٤)، ولا علم لهم بالسَّرائر، والَّذي يزن عند الله خلوص الضَّمائر، فينبغي أن لا يجترئَ أحدٌ على الاستهزاءِ بمن تقتحمه عينهُ إذا رآه رثَّ الحال (¬٥)، أو ذا عاهةٍ في بدنه، أو غيرَ لَبِق (¬٦) -أي: غير حاذقٍ- في (¬٧) محادثتهِ، فلعلَّه أخلص ضميرًا وأَنْقى قلبًا ممَّن هو على ضدِّ صفتهِ، فيظلمُ نفسه بتحقيرِ من وقَّره الله تعالى. وعن ابنِ مسعودٍ ﵁ البلاء موكَّلٌ بالقولِ لو سخرتُ من كلبٍ لخشيتُ أن أحوَّل كلبًا.
وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ فيه وجهان أحدُهما: عيبُ الأخِ إلى الأخ، فإذا عابهُ فكأنَّه عاب (¬٨) نفسه، والثَّاني: أنَّه إذا عابهُ وهو لا يخلو عن (¬٩) عيبٍ فيعيبه به المعاب، فيكون هو بمعيبهِ حاملًا لغيرهِ على عيبهِ، فكأنَّه هو العائبُ نفسه، واللَّمز: الطَّعن والضَّرب باللِّسان.