بَريرةَ بعد الفتح، ولمَّا كاتبتْها عقيب شرائِها وعَتَقَتْ؛ خُيِّرتْ فاختارتْ نفسَها، فظنَّ الراوي أنَّ قول عليٍّ: «وإن تسأل (¬١) الجارية تصدقك» أنَّها بريرة، فغَلِط، قال (¬٢): وهذا نوعٌ غامضٌ لا يتنبَّه له إلَّا الحُذَّاق. انتهى. وتبعه الزركشيُّ فقال: إنَّ تسميةَ الجارية بَريرةَ مُدْرجٌ (¬٣) مِن بعض الرواة، وإنَّها جارية أُخرى، وأجاب الشيخ تقيُّ الدين السُّبكيُّ بأجوبةٍ، أحسنُها: احتمال (¬٤) أنَّها كانت تخدم عائشة قبلَ شِرائها، وهذا أَولى مِن دعوى الإدراج وتغليط الحُفَّاظ.
(فَقَالَ) ﵊: (أَيْ بَرِيرَةُ؛ هَلْ رَأَيْتِ عَلَيْهَا مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟) بفتح أوله، مِن جنس ما قال أهلُ الإفك (قَالَتْ بَرِيرَةُ) مجيبةً له على العموم نافيةً عنها كلَّ نقصٍ: (لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ) بكسر الهمزة، أي: ما رأيت (عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الميم وصاد مهملة، صفةٌ لـ «أمرًا» أي: أعيبه (عَلَيْهَا) في جميع أحوالها (أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا) لصِغَرِ سنِّها ورطوبة بدنها (فَتَأْتِي الدَّاجِنُ) بدال مهملة وبعد الألف جيم مكسورة فنون: الشاةُ التي (¬٥) تُقتَنَى في البيت وتُعْلَف، وقد يُطلق على غيرها ممَّا يألَفُ البيوت مِنَ الطير (¬٦) وغيره (فَتَأْكُلُهُ) قال ابن المُنَيِّر في الحاشية: هذا من الاستثناء البديع الذي يُراد به المبالغة في نفي العيب؛ كقوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم … بِهِنَّ فُلُولٌ من قِراعِ الكَتائِبِ
فغفلتُها عن عجينها أبعدُ لها من مثل الذي رُميتْ به، وأقربُ إلى أن تكون به من المحصنات الغافلات المؤمنات، وتعقَّبه البدر الدمامينيُّ فقال: ليس في الحديث صورة استثناء بـ «سوى» ولا غيرها من أدواته، وإنَّما فيه: «إن رأيت منها (¬٧) أمرًا أغمصه عليها أكثر مِن أنَّها جارية … » إلى آخره،