الثاني، والمراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تعالى تلقفا روحانيا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم انتهى وفيه بحث لا يخفى، وعندي أن إنزاله إظهاره في عالم الشهادة بعد أن كان في عالم الغيب، ثم إن ظاهر الآية يقتضي أن جميع القرآن نزل به الروح الأمين على قلبه الشريف صلّى الله تعالى عليه وسلم وهذا ينافي ما قيل: إن آخر سورة البقرة كلمه الله تعالى بها ليلة المعراج حيث لا واسطة احتجاجا بما
أخرجه مسلم عن ابن مسعود «لما أسري برسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم انتهى إلى سدرة المنتهى» الحديث
وفيه: «فأعطى رسول الله ﷺ الصلوات الخمس وأعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك من أمته بالله تعالى شيئا المقحمات» ،
وأجيب بعد تسليم أن يكون ما ذكر دليلا لذلك يجوز أن يكون قد نزل جبريل ﵇ بما ذكر أيضا تأكيدا وتقريرا أو نحو ذلك، وقد ثبت نزوله ﵇ بالآية الواحدة مرتين لما ذكر، وجوز أن تكون الآية باعتبار الأغلب، واعتبر بعضهم كونها كذلك لأمر آخر وهو أن من القرآن ما نزل به إسرافيل ﵇ وهو ما كان في أول النبوة وفيه أن ذلك لم يثبت أصلا.
وفي الإتقان أخرج الإمام أحمد في تاريخه من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي قال: أنزل على النبي ﷺ النبوة وهو ابن أربعين سنة فقرن بنبوته إسرافيل ﵇ ثلاث سنين فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل عليه القرآن على لسانه فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبريل عليه فنزل عليه القرآن على لسانه عشر سنين انتهى، وهو صريح في خلاف ذلك وإن كان فيه ما يخالف الصحيح المشهور من أن جبريل ﵇ هو الذي نزل عليه ﵊ بالوحي من أول الأمر إلا أنه نزل عليه ﷺ غيره ﵇ من الملائكة أيضا ببعض الأمور، وكثيرا ما ينزلون لتشييع الآيات القرآنية مع جبريل عليه وعليهم السلام.
ومن الناس من اعتبر كونها باعتبار الأغلب لأن إنزال جبريل ﵇ قد لا يكون على القلب بناء على ما ذكره الشيخ محيي الدين قدس سره في الباب الرابع عشر من الفتوحات من قوله: اعلم أن الملك يأتي النبي ﵊ بالوحي على حالين تارة ينزل بالوحي على قلبه وتارة يأتيه في صورة جسدية من خارج فيلقى ما جاء به إلى ذلك النبي على أذنه فيسمعه أو يلقيه على بصره فيبصره فيحصل له من النظر ما يحصل من السمع سواء.
وتعقب بأنه لا حاجة إلى ما ذكر، وما نقل عن محيي الدين قدس سره لا يدل على أن نزول الوحي إلى كل نبي يكون على هذين الحالين فيجوز أن يكون نزول الوحي إلى نبينا ﷺ على الحال الأولى فقط سلمنا دلالته على العموم وأن نزول الوحي إلى نبينا ﵊ قد يكون بتمثل الملك بناء على بعض الأخبار الصحيحة في ذلك لكن لا نسلم أنه يدل على أن نزول الوحي إذا كان الموحى قرآنا يكون على الحال الثانية سلمنا دلالته على ذلك لكن لا نسلم صحة جعله مبنى لتأويل الآية، وكي يؤول كلام الله تعالى لكلام مناف لظاهره صدر من غير معصوم، ويكفي محيي الدين قدس سره من علماء الشريعة أن يؤولوا كلامه ليوافق كلام الله ﷿ فيسلم من الطعن، ولعل من يؤول في مثل ذلك يحسن الظن بمحيي الدين قدس سره ويقول: إنه لم يقل ذلك إلا لدليل شرعي فقد قال قدس سره في الكلام على الإذن من الفتوحات: اعلم أني لم أقرر بحمد الله تعالى في كتابي هذا ولا غيره قط أمرا غير مشروع وما خرجت عن الكتاب والسنة في شيء من تصانيفي، وقال في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الكتاب المذكور جميع ما أتكلم به في مجالسي وتأليفي إنما هو من حضرة القرآن العظيم فإني أعطيت مفاتيح العلم فيه فلا أستمد قط في علم من العلوم إلا منه كل ذلك حتى لا أخرج عن مجالسة الحق تعالى في مناجاته بكلامه أو بما تضمنه كلامه سبحانه إلى غير ذلك فالداعي للتأويل في الحقيقة ذلك الدليل لا نفس كلامه قدس سره العزيز وهو اللائق بالمسلمين الكاملين.