وقال سبحانه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهي: المحرمات؛ فقربانها تقصير، وقد يجتمع في الشخص الغلو والإفراط في جانب والتفريط والتقصير في جانب آخر؛ فيجمع بين الغلو والتقصير.
وهذا كثير في الأفراد والطوائف، قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]، فتحريم الحلال من الابتداع والتنطع والغلو في الدين، ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ [المائدة]، وهذا تقصير.
وقد أنكر النبي ﷺ على الذين أرادوا أن يتبتلوا، وأن ينقطعوا للعبادة حين سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر، فقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش! فحمد الله وأثنى عليه، فقال: «ما بال أقوام قالوا: كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (¬١).
والغلو يجري في مسائل الدين كلها: الاعتقادية والعملية.
وقوله: «بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس»، عطفُ هذه المتقابلات من قبيل عطف الخاص على العام؛ فإن التشبيه والتعطيل يندرجان في الغلو والتقصير؛