الرضاع والحلف. وقيل هم المنافقون، وذلك لأن بعض المؤمنين كانوا يغترون بظاهر أقوالهم فيفشون إليهم الأسرار والصحيح أن المراد بهم جميع أصناف الكفار، والدليل عليه قوله تعالى:
بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ فمنع المؤمنين أن يتخذوا بطانة من غير المؤمنين، فيكون ذلك نهيا عن جميع الكفار» «١» .
والبطانة في الأصل: داخل الثوب، وجمعها بطائن. قال- تعالى-: مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ «٢» . وظاهر الثوب يسمى الظهارة، والبطانة- أيضا- الثوب الذي يجعل تحت ثوب آخر ويسمى الشعار، وما فوقه الدثار وفي الحديث «الأنصار شعار والناس دثار» .
ثم أطلقت البطانة على صديق الرجل وصفيه الذي يطلع على شئونه الخفية تشبيها ببطانة الثياب في شدة القرب من صاحبها. قال الشاعر:
أولئك خلصائى نعم وبطانتى ... وهم عيبتي من دون كل قريب
وقوله: مِنْ دُونِكُمْ أى من غير أهل ملتكم.
والمعنى: لا يجوز لكم- أيها المؤمنون- أن تتخذوا من غير أهل ملتكم أصفياء وأولياء تلقون إليهم بأسراركم التي لا يصح لكم أن تطلعوهم عليها، لأنكم لو فعلتم ذلك لأصابكم الضرر في دينكم ودنياكم.
قال القرطبي: «نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم. وفي سنن أبى داود عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» . وقيل لعمر بن الخطاب- رضى الله عنه- إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين» .
ثم قال القرطبي- ﵀: قلت وقد انقلبت الأحوال في هذه الأزمان باتخاذ أهل الكتاب كتبة وأمناء، وتسودوا بذلك عند الجهلة الأغبياء من الولاة والأمراء. روى البخاري عن أبى سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه. وبطانة تأمره بالشر وتحثه عليه، والمعصوم من عصمه الله» «٣» .
وصدر- سبحانه- النداء بوصف الإيمان، للإشعار بأن مقتضى الإيمان يوجب عليهم ألا