قوله ﷿: وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، يعني: اعملوا لله ﷿ حق عمله، ويقال: جاهدوا في طاعة الله ﷿ وطلب مرضاته. وقال الحسن: حَقَّ جِهادِهِ أن تؤدي جميع ما أمرك الله ﷿ به، وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه، وأن تترك رغبة الدنيا لرهبة الآخرة. وروي عن النبي ﷺ أن رجلاً سأله، فقال: أي الجهاد أفضل؟ فقال: «كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ السُّلْطَانِ» .
ثم قال: هُوَ اجْتَباكُمْ، يعني: اختاركم واصطفاكم. وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، يعني: في الإسلام من ضيق، ولكن جعله واسعاً ولم يكلفكم مجهود الطاقة، وإنما كلفكم دون ما تطيقون. ويقال: وضع عنكم إصركم والأغلال التي كانت عليكم. ويقال: وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وهو ما رخص في الإفطار في السفر، والصلاة قاعداً عند العلة. وقال قتادة: أعطيت هذه الأمة ثلاثاً لم يعطها إلا نبي، كان يقال للنبي ﵇: اذهب فليس عليك من حرج، وقال لهذه الأمة وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ وكان يقال للنبي ﵇: أنت شهيد على قومك، وقال لهذه الأمة: وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وكان يقال للنبي ﷺ: سل تعط، وقال لهذه الأمة: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] .
ثم قال: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ، قال الزجاج: إنما صار منصوباً، لأن معناه: اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم. قال: وجائز أن يكون وافعلوا الخير فعل أبيكم إبراهيم، ويقال: معناه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ولكن جعل لكم ملة سمحة سهلة كملة أبيكم إبراهيم. هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ، يعني: الله تعالى سماكم المسلمين. ويقال: إبراهيم سماكم، أي من آمن بمحمد ﵇ والقرآن، والطريق الأول أصح، لأنه قال من قبل: وَفِي هذا، يعني: الله سماكم المسلمين في سائر الكتب مِن قَبْلِ هذا القرآن. وفى هذا القرآن، لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ يعني: محمدا ﷺ شهيدا على أمته بأنه بلغهم الرسالة بالتصديق لهم وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يعني: على سائر الأمم أن الرسل قد بلغتهم. وقال مقاتل:
وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يعني: للناس، يعني: للرسل على قومهم، كقوله: وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب أي للنصب.
ثم قال: فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، يعني: أقروا بها وأتموها، وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأدوها. ثم قال: وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ، يعني: وثقوا بالله إذا فعلتم ذلك، ويقال: معناه تمسكوا بتوحيد الله تعالى، وهو قول لا إله إلا الله. هُوَ مَوْلاكُمْ، أي وليكم وناصركم وحافظكم.
فَنِعْمَ الْمَوْلى، يعني: نعم الحافظ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ يعني: نعم المانع لكم برحمته، والله ﷾ أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا «١» -.