[مثال آخر لعظيم أدب الصحابة مع النبي ص]
وهناك مثال آخر لعظيم أدب الصحابة مع النبي ﷺ.
فعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مرّ النّبيّ ﷺ على نفر من أسلم ينتضلون «١» . فقال النّبيّ ﷺ: «ارموا بني إسماعيل فإنّ أباكم كان راميا، ارموا وأنا مع بني فلان» ، قال، فأمسك أحد الفريقين بأيديهم. فقال رسول الله ﷺ: «ما لكم لا ترمون؟» قالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟! قال النّبيّ ﷺ: «ارموا فأنا معكم كلّكم» «٢» .
الشاهد في الحديث:
إمساك أحد الفريقين عن الرمي بعد أن قال النبي ﷺ للفريق المقابل: «ارموا وأنا مع بني فلان» .
حقيق بمن تدبر هذا الأدب الجم من أصحاب النبي ﷺ أن يتعجب كل التعجب، خاصة إذا تأمل قول الفريق الذي كف عن الرمي «كيف نرمي وأنت معهم» ، وأعتقد أن من أسباب كفهم عن الرمي أنهم سيكونون في وضع (ظاهره) أنهم خصوم للنبي ﷺ وقد بينت في عدة مواطن من الكتاب أنهم كانوا يأبون أن يكونوا على هيئة ظاهرها عدم التأدب مع النبي ﷺ ولو برضاه، كما حدث مع أبي أيوب الأنصاري، وقد أورد الحافظ ابن حجر- ﵀ وجهين آخرين لإمساك الفريق عن الرمي نقلا عن بعض العلماء قال: (أمسكوا لكون النبي ﷺ مع الفريق الآخر خشية أن يغلبوهم، فيكون النبي ﷺ مع من وقع عليه الغلبة، والقول الثاني: أنهم أمسكوا لما استشعروا من قوة قلوب أصحابهم بالغلبة حيث صار النبي ﷺ معهم، وذلك من أعظم الوجوه المشعرة بالنصر) . انتهى.
وفي الحديث ملاطفة النبي ﷺ لأصحابه حيث قال لهم في الأولى: «ارموا وأنا مع بني فلان» . وفيه أيضا حرصه ﷺ على تطييب خاطر أصحابه جميعا، لما قال لهم في الآخرة:
«ارموا فأنا معكم كلكم» .
١٣- تعظيمه ﷺ في نفوسهم
تعظيم الرسول ﷺ ليس كلمات تقال ولا قصصا تروى ولا تكون دعوى باللسان ولا هياما بالوجدان بل لا بد أن يصاحب ذلك: الاتباع لرسول الله ﷺ والسير على هداه وتحقيق منهجه في الحياة العملية، فتعظيمه ﷺ ليس ترانيم تغنى ولا قصائد وأناشيد تنشد ولا كلمات تقال ولا خطبا تعلو المنابر فحسب بل محبة وإجلال واقتداء وسلوك وتقديمه ﷺ