قال ابن إسحق: وَحَدَّثَنِي عَبْد اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَانَ أَجْمَعَ الْقُعُود، وَكَانَ شَيْخًا جَلِيلا جَسِيما ثَقِيلا، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَاني قَوْمِهِ بِمِجْمَرَةٍ يَحْمِلُهَا فِيهَا نَارٌ ومجمرٌ، حَتَّى وَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا عَلِيٍّ اسْتَجْمِرْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنَ النِّسَاءِ، قَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ تَجَهَّزَ وَخَرَجَ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ وَكَانَ سَبَبُ تَثَبُّطِهِ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصحيح من حديثه مع سعيد بْنِ مُعَاذٍ وَأَبِي جَهْلٍ بِمَكَّةَ وَقَوْلُ سَعْدٍ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّهُ قَاتِلُكَ.
قُلْتُ: الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَرْبَابِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لأَخِيهِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ بَحَرْبَتِهِ، وَهَذَا أَيْضًا لا يُنَافِي خَبَرَ سَعْدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إسحق: ولما فرغوا من جهازهم وأجمعوا [المسير] [١] ذكروا [ما كان] [٢] بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِنَ الْحَرْبِ، فَقَالُوا: إِنَّا نَخْشَى أَنْ يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، فَتَبَدَّى لَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جعشمٍ الْكِنَانِيِّ الْمُدْلجِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ، فقال [لهم] [٣] : أنا جار لكم أن نأتيكم كِنَانَةُ مِنْ خَلْفِكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَخَرَجُوا سِرَاعًا [٤] .
وَذَكَرَ ابْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ عَائِذٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ: وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وَمَعَهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ يُحَدِّثُهُمْ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ وَرَاءَهُ، وَقَدْ أَقْبَلُوا لِنَصْرِهِمْ، وَأَنَّهُ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ، وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ.
قال ابن إسحق: وعمير بن وهب أو الحرث بْنُ هِشَامٍ كَانَ الَّذِي رَآهُ حِينَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلائِكَةِ، وَقَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ، فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى أَوْرَدَهُمْ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانٌ: