وقالت عائشة: قام- ﷺ حتى تورمت قدماه، وفى رواية: حتى تفطرت قدماه، فقلت: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» قالت: فلما بدن وكثر شحمه- ﷺ صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع «١» . رواه البخارى ومسلم.
والفاء فى قوله: «أفلا أكون» للسببية، وهى عن محذوف تقديره: أأترك تهجدى؟ فلا أكون عبدا شكورا، والمعنى: إن المغفرة سبب لكون التهجد شكرا، فكيف أتركه؟
قال ابن بطال: فى هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة فى العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه، لأنه إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له، فكيف بمن لا يعلم، فضلا عمن لم يأمن أنه استحق النار. انتهى.
ومحل ذلك- كما قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى- ما لم يفض ذلك إلى الملال، لأن حال النبى- ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه، وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه- ﷺ قال: «وجعلت قرة عينى فى الصلاة» «٢» كما أخرجه النسائى من حديث أنس، فأما غيره- ﷺ فإذا خشى الملل ينبغى له أن لا يكد نفسه، وعليه يحمل قوله- ﷺ:
«خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» «٣» انتهى.
لكن ربما دست النفس أو الشيطان على المجتهد فى العبادة بمثل ما ذكر،