﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وفي مسائل الإمام أحمد (٢/ ١١) مسألة رقم (١٨٠٧): (قُلْتُ - والقائل هو إسحاق بن منصور صاحب المسائل -: قول اللهِ ﷿ (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ [البقرة: ٢٨٢] إِذا بَاع بَالنقدِ أَيُشهدُ أمْ لا؟ قَالَ: إِنْ أشْهدَ فلا بأسَ، وإِنْ لمْ يشهدْ فلا بأسَ لقولِ الله ﷾: (﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾).
مثال آخر له تعلق بهذا المثال ويوضحه، فآية الدين والآية التالية لها بينتا أن توثيق الدين له طرق منها: الكتاب، والرهن، والإشهاد.
قال الشنقيطي في تفسيره (١/ ١٨٤) فقال: (قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) [البقرة: ٢٨٢] ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب. ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ) [البقرة: ٢٨٣]؛ لأن الرهن لا يجب إجماعا وهو بدل الكتابة عند تعذرها في الآية فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) [البقرة: ٢٨٣] فالتحقيق أن الأمر في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) للندب والإرشاد؛ لأن لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس قاله القرطبي).
وقد بيَّن ﵀ أن قيد (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ) لا مفهوم مخالفة له لأنه جرى مجرى الغالب إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر وإنما يتعذر غالبا في السفر، وعليه فالرهن جائز حضرا وسفرا وقد ثبت أن النبي ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي.
فوائد:
الفائدة الأولى - الفرق بين الندب والإرشاد:
قال المرداوي في التحبير (٥/ ٢١٨٦): (والضابط فيه - أي الإرشاد - أن يرجع لمصلحة في الدنيا بخلاف الندب فإنه لمصالح الآخرة. وأيضا الإرشاد لا ثواب فيه والندب فيه الثواب) (١).