الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي صِحَّةِ هَؤُلَاءِ مُطْلَقًا فِي الْأَمَاكِنِ الْمُتَحَجِّرَةِ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ آثِمٌ عَاصٍ يَجِبُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ بَلْ لَهُ أَثَرُ نَصِيبٍ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٤]
فَإِنَّ هَذِهِ الْبِقَاعَ مِنْ الْمَسَاجِدِ، فَإِذَا مُنِعَ مَنْ لَهُ فِيهَا حَقٌّ أَنْ يَذْكَرَ فِيهَا اسْمَ اللَّهِ بِصَلَاةٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ دُعَاءٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ تَعَلُّمٍ أَوْ تَعْلِيمٍ كَانَ ذَلِكَ نَوْعًا مِمَّا تَنَاوَلَتْهُ الْآيَةُ.
وَكَذَلِكَ تَخْرِيبُ الْمَسَاجِدِ ضِدُّ عِمَارَتِهَا، وَلَيْسَتْ عِمَارَتُهَا الْمَحْمُودَةُ بِمُجَرَّدِ بُنْيَانِ الْحِيطَانِ وَالسُّقُوفِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ مِنْ الْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] الْآيَةَ.
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] الْآيَةَ» . قُلْت: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.
وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّ عُمَّارَ بُيُوتِ اللَّهِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ ﷿» . وَفِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ أَلِفَ الْمَسْجِدَ أَلِفَهُ» .
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إنَّ لِلْمَسَاجِدِ أَوْتَادًا الْمَلَائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ، إنْ غَابُوا يَفْتَقِدُوهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوا عَادُوهُمْ، وَإِنْ كَانُوا فِي حَاجَةٍ أَعَانُوهُمْ» .
مَطْلَبٌ: جَلِيسُ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ.
ثُمَّ قَالَ: «جَلِيسُ الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: أَخٌ مُسْتَفَادٌ، أَوْ كَلِمَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ رَحْمَةٌ مُنْتَظَرَةٌ» وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ دُونَ قَوْلِهِ جَلِيسُ الْمَسْجِدِ إلَى آخِرِهِ. وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِهِمَا.