قال الزجاج: عن: بمعنى على. ﴿حتى توارت﴾ يَعْنِي الشَّمْسَ. قَالَ: وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ لَمْ يَجْرِ لِلشَّمْسِ ذِكْرٌ , وَلا أَحْسَبُهُمْ أَعْطَوْا فِي هَذَا الْفِكْرِ حَقَّهُ , لأَنَّهُ فِي الآيَةِ دَلِيلٌ على الشمس وهو قوله: ﴿بالعشي﴾ وَالْمَعْنَى: عُرِضَ عَلَيْهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ , وَلا يجوز الإضمار إلا أَنْ يُجْرِيَ ذكر أو دليل ذكر.
قَوْلُهُ تعالى: ﴿ردوها علي﴾ أي أعيدوا الخيل ﴿فطفق﴾ أي أقبل ﴿مسحا بالسوق﴾ وَهِيَ جَمْعُ سَاقٍ. وَفِي الْمُرَادِ بِالْمَسْحِ قَوْلانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ. رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. مَسَحَ أَعْنَاقَهَا
وَسُوقَهَا بِالسَّيْفِ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْجُمْهُورِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَوَى سُوقَهَا وَأَعْنَاقَهَا وَحَبَسَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ , حَكَاهُ الثَّعْلَبِيُّ. وَالْعُلَمَاءُ عَلَى الأَوَّلِ.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَخْتَارُ القول الأول وهي عُقُوبَةٌ لِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ عَلَى وَجْهِ التَّشَفِّي , وَهَذَا بِفِعْلِ الْجَبَّارِينَ أَشْبَهُ مِنْهُ بِفِعْلِ الأَنْبِيَاءِ؟
فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ نَبِيٌّ مَعْصُومٌ , فَلَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ إِلا مَا قَدْ أُجِيزَ لَهُ فِعْلُهُ , وَجَائِزٌ أَنْ يُبَاحَ لَهُ مَا يُمْنَعُ مِنْهُ فِي شرعنا. على أنه إذا ذبحها كان قُرْبَانًا , وَأَكْلُ لَحْمِهَا جَائِزٌ , فَمَا وَقَعَ تَفْرِيطٌ.
قَالَ وَهْبٌ: لَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ شَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فِعْلَهُ , فَسَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ مَكَانَهَا.
قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ أَيِ ابْتَلَيْنَاهُ بِسَلْبِ مُلْكِهِ ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ﴾ أي على سريره ﴿جسدا﴾ , وَهُوَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ صَخْرٌ وَلَمْ يَكُنْ ممن سخر له ﴿ثم أناب﴾ أَيْ رَجَعَ عَنْ ذَنْبِهِ , وَقِيلَ إِلَى مُلْكِهِ.
وَفِي سَبَبِ ابْتِلائِهِ ثَلاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ , وَكَانَتْ بَيْنَ بَعْضِ أَهْلِهَا وَبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ , فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ , إِلا أَنَّهُ وَدَّ أَنْ لَوْ كَانَ الْحَقُّ لأَهْلِهَا. فَعُوقِبَ إِذْ لَمْ يَكُنْ هَوَاهُ فِيهِمْ وَاحِدًا. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.