أَيَّامٍ , فَأَمَرَتْ فَسُدَّ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ بِمُسَنَّاةٍ وَحَبَسَتِ الْمَاءَ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ؛ وَجَعَلَتْ لَهُ أَبْوَابًا بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. وَبَنَتْ مِنْ دُونِهِ
بِرْكَةً وَجَعَلَتْ فِيهَا اثْنَيْ عَشَرَ مَخْرَجًا عَلَى عَدَدِ أَنْهَارِهِمْ , فَكَانَ الْمَاءُ يَخْرُجُ مِنْهَا بِالسَّوِيَّةِ , إِلَى أَنْ أَسْلَمَتْ مَعَ سُلَيْمَانَ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا بَنَوْا ذَلِكَ لِئَلا يَغْشَى السَّيْلُ أَمْوَالَهُمْ فَتَهْلِكَ , فَكَانُوا يَفْتَحُونَ مِنْ أَبْوَابِ السَّدِّ مَا يُرِيدُونَ فَيَأْخُذُونَ مِنَ الْمَاءِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ , وَكَانَتْ لَهُمْ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينِ وَادِيهِمْ وَعَنْ شِمَالِهِ , فَأَخْصَبَتْ أَرْضُهُمْ وَكَثُرَتْ فَوَاكِهُهُمْ , وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَمُرُّ بَيْنَ الْجَنَّتَيْنِ وَالْمِكْتَلُ عَلَى رَأْسِهَا فَتَرْجِعُ وقد امتلأ من التمر وَلا تَمَسُّ بِيَدِهَا شَيْئًا مِنْهُ , وَلَمْ يَكُنْ فِي بَلْدَتِهِمْ حَيَّةٌ وَلا عَقْرَبٌ وَلا بَعُوضَةٌ وَلا ذُبَابَةٌ وَلا بَرْغُوثٌ.
فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ نَبِيًّا وَقِيلَ لَهُمْ: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أَيْ هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ , وَلَمْ تَكُنْ سَبِخَةً ولا فيها ما يؤذي ﴿ورب غفور﴾ أي والله رب غفور.
﴿فأعرضوا﴾ عَنِ الْحَقِّ وَكَذَّبُوا الأَنْبِيَاءَ ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم﴾ وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَرِمَ: الشَّدِيدُ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ الأَعْرَابِيِّ: إِنَّ الْعَرِمَ: السَّيْلُ الَّذِي لا يُطَاقُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْمُ الْوَادِي. رَوَاهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ الْمُسَنَّاةُ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالْفَرَّاءُ وَابْنُ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْعَرِمُ جَمْعُ عَرَمَةٍ وَهِيَ السِّكْرُ وَالْمُسَنَّاةُ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْعَرِمَ: الْجَرَذُ الَّذِي نَقَبَ عَلَيْهِمُ السِّكْرَ. حَكَاهُ الزَّجَّاجُ.