فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا.
قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قِرْنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُهُنَّ ثُمَّ قَالَ: إِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ. فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
وَقَدْ رُوِّينَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَيْضًا فِي يَوْمِ أُحُدٍ: قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض. فقام عمرو من الجموح وهو أعرج فقال: والله لأحفزن بِهَا فِي الْجَنَّةِ. فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ.
قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَمَّا أَرَادَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ الْخُرُوجَ إِلَى أُحُدٍ , مَنَعَهُ بَنُوهُ , وَقَالُوا: قَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ. فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ بَنِيَّ يُرِيدُونَ حَبْسِي عَنِ الْخُرُوجِ مَعَكَ وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَطَأَ بِعَرَجَتِي [هَذِهِ] فِي الْجَنَّةِ , فَقَالَ: " أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ عَذَرَكَ اللَّهُ " ثُمَّ قَالَ لِبَنِيهِ: لا عَلَيْكُمْ أن تَمْنَعُوهُ لَعَلَّ اللَّهَ ﷿ يَرْزُقُهُ الشَّهَادَةَ. فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ.
قَالَتِ امْرَأَتُهُ هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بن خزام: كأني أنظر إليه مولياً , فقد أَخَذَ دَرَقَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تَرُدَّنِي إِلَى خَرَبِي وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي سَلَمَةَ.
قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ حِينَ انْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ ثَابُوا , وَهُوَ فِي الرَّعِيلِ الأَوَّلِ , لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى ظَلْعٍ فِي رِجْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أنا والله مشتاق إلى الجنة!
ثم أنظر إِلَى ابْنِهِ خَلادٍ [وَهُوَ] يَعْدُو [مَعَهُ] فِي إِثْرِهِ حَتَّى قُتِلا جَمِيعًا.
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ دُفِنَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو جَابِرٍ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ , فَخَرَّبَ السَّيْلُ قَبْرَهُمْ , فَحُفِرَ عَنْهُمْ بَعْدَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً فَوُجِدُوا لَمْ يَتَغَيَّرُوا كَأَنَّهُمْ مَاتُوا بِأَمْسِ.
للَّهِ دَرُّ قَوْمٍ بَادَرُوا الأَوْقَاتَ , وَاسْتَدْرَكُوا الْهَفَوَاتَ , فَالْعَيْنُ مَشْغُولَةٌ بِالدَّمْعِ عَنِ
الْمُحَرَّمَاتِ , وَاللِّسَانُ مَحْبُوسٌ فِي سِجْنِ الصَّمْتِ عَنِ الْهَلَكَاتِ , وَالْكَفُّ قَدْ كفت بالخوف عن الشهوات , والقدم قد قُيِّدَتْ بِقَيْدِ الْمُحَاسَبَاتِ , وَاللَّيْلُ لَدَيْهِمْ يَجْأَرُونَ فِيهِ بِالأَصْوَاتِ , فَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ قَطَعُوهُ بِمُقَاطَعَةِ اللَّذَّاتِ , فَكَمْ مِنْ شَهْوَةٍ مَا بَلَغُوهَا حَتَّى الْمَمَاتِ , فَتَيَقَّظْ لِلِحَاقِهِمْ مِنْ هَذِهِ الرَّقَدَاتِ , وَلا تَطْمَعَنَّ في