بل إن الصحابة قد يختلفون على قولين، فينعقد الإجماع بعد ذلك فيعمل العلماء بهذا الإجماع.
وهذا مما يدل على أن الإجماع السكوتي ليس خاصًا بالصحابة.
ومن أمثلة ذلك: أن الصحابة اختلفوا في الذي جامع -أي أولج- بلا إنزال؟ هل يجب عليه الغسل أم لا؟
فيه قولان للصحابة (¬١)، لكن انعقد الإجماع بعد ذلك ونص عليه ابن المنذر (¬٢) وابن عبد البر (¬٣) وغيرهم من أهل العلم وسيأتي -إن شاء الله- ذكر أمثلة أخرى.
فالمقصود أن الإجماع السكوتي ليس خاصًا بالصحابة بل هو مطرد في أهل العلم، فإذا ذكر عالم مسألة واشتهر عنه فإنه حجة.
ويظهر لي - والله أعلم - أن تقييد الأمر بالاشتهار وعدم الاشتهار ليس عمليًا، فمجرد أن يذكر عالمٌ قولًا ولا يعرف عن غيره إنكار فهو حجة، وذلك لأمرين:
الأول: أنه لو كان منكراً فلا بد أن يوجد في الأمة من ينكره، ولا يمكن أن الله ينقل لنا القول المرجوح دون الراجح، فقد ذكر ابن القيم في كتابه «إعلام الموقعين» (¬٤) أن القول المرجوح خطأ من وجه، فلا ينقل مرجوح دون الراجح.