فنحن نعمل أعمالاً بإرادتنا واختيارنا نعرف الخير منها ونعرف الشر، ففي أي الحالتين هذه الأعمال يا رَسُول الله؟ أهي فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أم فيما نستقبل؟ إذ نَحْنُ نفكر ونهم ثُمَّ نعزم ثُمَّ نختار ثُمَّ نفعل الأمر فحينئذ يكون أمراً جديداً حدثاً لم يكن قد قضي وقدّر من قبل.
فأجاب النبي ﷺ فقَالَ: (لا؛ بل فيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير) وهذا إثبات لمرتبتي العلم والكتابة، وإن قلنا: مرتبة الكتابة فصحيح، لأن مرتبة الكتابة تتضمن العلم.
(قَالَ: ففيم العمل؟)
وقد ورد هذا السؤال من قبل في حديث عَلِيّ ﵁ المخّرج في الصحيحين لما كَانَ رَسُول الله ﷺ في بقيع الغرقد عند دفن تلك الجنازة فقيل له: (يا رَسُول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟)
وهنا في هذا الحديث يقول سراقة: (يا رَسُول الله -مادام أن الأمر قد قضي وقدر، وجفت به الأقلام، وجرت به المقادير- ففيمّ العمل؟ قال زهير: ثُمَّ تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه، فسألت ما قال؟ فقَالَ: (اعملوا فكل ميسر) .
أي أن النبي ﷺ أعاد لسراقة نفس القول الذي ذكره في حديث عَلِيّ وهو في حديث عَلِيّ أطول، إذ فيه يقول الرَّسُول ﷺ: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثُمَّ قرأ رَسُول الله ﷺ الآيات من سورة الليل وهي: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى [الليل:٥-٧] .
أي: هذا الذي هو من أهل السعادة ميسر لعمل أهل السعادة، وهو أن يعطي ويتقي ويصدق، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى -وهذه صفات أهل الشقاوة- فميسر له عمل أهل الشقاوة.