وكلمة مالك لما قَالَ: (لا تقبل شهادة أهل الأهواء) ، وفسرها ابن خويز منداد فقَالَ: (إن مالكاً يعني بأهل الأهواء: أهل الكلام أشعرياً كَانَ أو غير أشعري) ، فإن علماء الكلام هم أهل الأهواء وكلام سفيان وكلام الإمام أَحْمَد وجميع أئمة الحديث من السلف والنقول عنهم معلومة، قَالَ: [وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، أي: عَلَى ذم علم الكلام، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه، وَقَالُوا: ما سكت عنه الصحابه -مع أنهم أعرف بالحقائق، وأفصح بترتيب الألفاظ- إلا لما يتولد منه من الشر] وهذا حق لأن أي علم من العلوم لو كَانَ خيراً، فالصحابة أسبق النَّاس إليه، ولن يأتي بعدهم من يسبقهم إِلَى خير أبداً.
يقول: [وكذلك قال ﷺ: (هلك المتنطعون) أي: المتعمقون في البحث والاستقصاء] .
[واحتجوا أيضاً بأن ذلك لو كَانَ من الدين لكان أهم ما يأمر به الرَّسُول ﷺ ويعلم طريقه ويثني عَلَى أربابه] لأنه إذا كَانَ لا يمكن أن نصل إِلَى اليقين، إلا بعلم الكلام، لكان أول علم يعلمه النبي ﷺ الأمة هو هذا العلم لأنه جَاءَ ليعلمهم اليقين، ويذهب عنهم الشك والضلال: وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة:١٩٨] فجاء يعلمنا الكتاب والحكمة ويزكينا، ويبعدنا عن طريق الضلال، فلو كَانَ الذي يزيل وينقذ من الضلال هو علم الكلام؛ لكان هو أول علم يعلمه النبي ﷺ الصحابة هو علم الكلام، ونقول أيضاً للغزالي: لو كَانَ المنقذ من الضلال هو التصوف لكان أول علم يعلمه النبي ﷺ الأمة لينقذهم به من الضلال، ثُمَّ ذكر بقية استدلالهم.