وقولُه: (كما هديناكم إليه): يُبيِّنُ أنَّ اسم الإشارة في قوله: ﴿وكذلك﴾ راجعٌ إلى هداية المؤمنين إلى الصراط المستقيم؛ فالمعنى: كما هديناكم إلى الصراط جعلناكم أمةً وسطًا.
وقولُه: (صيَّرنا): فسَّرَ الجعلَ في الآية بالتصيير؛ فلهذا قال: ﴿جعلنا﴾ صيَّرنا، وصيَّرَ يقتضي مفعولين، وليس في الآية لفظٌ يصلح مفعولًا ثانيًا، والأظهرُ أنَّ المعنى: وما شرعنا (¬١) استقبالَ القبلة التي كنت عليها، -وهي: بيت المقدس- ثم صرفناك عنها إلى الكعبة إلَّا ليتبيَّن مَنْ يتَّبعك ممن لا يتَّبعك.
وقولُه: (وهي الكعبة): بيانٌ للمراد بالقبلة التي كان عليها النبي ﷺ يوم كان بمكة، وهذا أحدُ القولين (¬٢)، والقولُ المشهور، وهو قول الجمهور، أنَّ المرادَ بالقبلة التي كان عليها النبيُّ ﷺ هي بيتُ المقدس (¬٣)؛ إذ كان يستقبلها بعد الهجرة ستة عشر شهرًا (¬٤)، فكان عليها هذه المدةَ ثم صُرف عنها إلى استقبال الكعبة في المسجد الحرام، وهذا التحويلُ هو الذي صار فتنةً، فبيَّن به ﴿مَنْ يتَّبعُ الرسول ممن ينقلبُ على عقبيه﴾.