وهذا يدل على أن أخذ الغنائم وأكلها كان حلالاً طيباً لا شبهة فيه ولا عتاب عليه وإنما كان العتاب على الإسراع في إنهاء الوقعة قبل الإثخان في العدو وكسر شوكته وإضعاف قوته وهو نظير ما ذكرناه في قوله تعالى: (عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) في أن الإذن للمنافقين بالتخلف عن الخروج معه إلى غزوة تبوك كان صواباً بالأوجه التي ذكرناها وإنما كان العتاب على الإسراع بالإذن لهم دون التلبث الذي يكشف عن حقيقة المنافقين ليعرفهم الناس ويفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد.
وتذكر بعض روايات الأحاديث وأسباب النزول أن هذه الآيات نزلت بعد مشاورة رسول الله ﷺ أصحابه في أمر أسرى بدر واختيار رسول الله ﷺ لرأي أبي بكر ومن معه القائلين بقبول الفداء من الأسرى تقوية لجيش المسلمين على الكفار بالفداء ورجاء أن يهديهم الله تعالى للإسلام أو أن يخرج من أصلابهم بعد وقعة بدر من يؤمن بالله ويهتدي بهداه.
ومن أصح هذه الروايات ما جاء في صحيح مسلم عن ابن عباس ﵄ فيما يرويه عن عمر بن الخطاب ﵁، قال ابن عباس: " فلما أسروا الأسارى قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ "، فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: " ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلت: لا، والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه وتمكنني من فلان (نسيباً لعمر) فأضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها فهوى رسول الله ﷺ -