وهذا الاعتناء من العلماء ببيان أهمية العربية وتأكيد التنبيه عليها في ثنايا كتبهم على تنوُّعها، كلُّ أهل فنٍّ لا تكاد كتبهم تخلو من هذا إما نصًّا وإما إشارةً وإما إيماءً، ثم إفرادهم التصانيف والتواليف في بيان هذه الأهمية - إنما كان ذلك منهم لمعرفتهم عِظَم خطرها واشتداد مسيس الحاجة إليها في الشريعة؛ فإن قاعدة الشرع أن الشيء إذا عَظُم قدره شُدِّد فيه، وكثُر التنبيه عليه، وبُسِط الكلام فيه (¬١).
ومن تأمَّل حال علماء الشريعة وجَد أن الواحد منهم كلما زاد عِلمه ورسوخُه في العربية زاد فَهمُه لكلام الشارع وبصرُه بمراميه ومقاصده، وما علَت رتبة الشافعي على غيره من الأئمة إلا بالعربية، وهو أول من صنَّف في الأصول في "الرسالة" المشهورة، وقد نبَّه فيها على منزلة العربية من الشريعة وعظيم مكانها منها (¬٢)؛ ولهذا فإن كلَّ أتباع مذهب إمام من الأئمة المتبوعين كانوا حريصين - وهو حقٌّ، أعني أصل التنبيه - على بيان تقدُّم إمامهم في العربية والذَّبِّ عنه فيما يُوهِم بخلاف ذلك (¬٣).