والثاني أرجح؛ لأن وفاة عبد الله بن مسعود كان في عام ٣٢، أو ٣٣ هـ قبل ظهور المحاريب في المساجد، فهو يشير بقوله: (هذه المحاريب) إلى محاريب قائمة وموجودة، وقد كان أقرب تاريخ يذكر لنا ظهور المحاريب في آخر المائة الأولى في عهد عمر بن العزيز، فيبعد قوله: (هذه المحاريب) أنه عنى بها محاريب المساجد، إلا لو ثبت أن ظهور المحاريب كان في الثلث الأول من القرن الأول، وهذا مخالف لما ذكره السيوطي وغيره عن تاريخ ظهورها. فتأمل، والله أعلم.
الوجه الثاني:
إذا حملنا قوله: (هذه المحاريب) على محاريب المساجد، فإن هذا الأثر يدل على ظهور المحاريب في وقت مبكر من عصر الصحابة ﵃، أي قبل وفاة عثمان ﵁، فإن وفاة عثمان سنة ٣٥ هـ ووفاة ابن مسعود قبل ذلك في عام ٣٢، أو ٣٣ هـ وقد جاء في الدرة الثمينة في أخبار المدينة لابن النجار (ت ٦٤٣) وفيها: «مات عثمان، وليس في المسجد شرفات، ولا محراب، فأول من أحدث الشرفات والمحراب عمر بن عبد العزيز» (¬١).