قال ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافُ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّه خرَجَ البُخاريُّ ومُسلمٌ مِنْ حَديثِ سمُرَةَ بنِ جُندُبٍ قالَ: «صَلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ ﷺ وصلَّى على أُمِّ كَعْبٍ ماتَتْ وهى نُفَساءُ، فقامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ للصَّلَاةِ عليها وَسَطَها» (¬١).
وخرَّجَ أبو داودَ مِنْ حَديثِ نافِعٍ أَبي غَالِبٍ قالَ: «صَلَّيْتُ مع أَنَسِ بنِ مَالِكٍ على جنازةِ رَجلٍ، فَقامَ حِيالَ رَأسِه، ثُم جاؤُوا بجنازةِ امرَأةٍ مِنْ قُرَيشٍ فَقالوا: يا أَبا حَمزَةَ، صَلِّ عليها، فَقام حِيالَ وسَطِ السَّرِيرِ، فقالَ له العَلاءُ بنُ زِيَادٍ: هكذَا رَأيتَ النَّبيَّ ﷺ قامَ على الجنازةِ مُقامَكَ منها ومِن الرَّجلِ مُقامَكَ منه؟ قالَ: نَعم، فلمَّا فرَغَ قالَ: احْفَظُوا» (¬٢).
فاختَلفَ الناسُ في المَفهومِ مِنْ هذه الأَفعالِ، فمنهم مَنْ رَأى أنَّ قيامَه على أحَدِ هذه الأَوضاعِ أنَّه شَرعٌ، وأنَّه يَدلُّ على التَّحديدِ، وهؤلاء انقَسَموا قِسمَينِ: فمنهم مَنْ أخَذَ بحَديثِ سمُرةَ بنِ جُندُبٍ لِلاتِّفاقِ على صِحَّتِه، فقالَ: المَرأةُ في ذلك والرَّجلُ سَواءٌ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ حُكمَهما واحِدٌ إلا أنْ يَثبُتَ في ذلك فارِقٌ شَرعيٌّ.