وقالَ ابنُ القَطانِ الفاسيُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ حُكمَ الهِباتِ في المَرضِ الذي يَموتُ فيه الواهِبُ حُكمُ الوَصايا، ويَكونُ من الثُّلثِ إذا كانت مَقبوضةً (¬١).
وأجمَعوا على أنَّ المَريضَ إذا وهَبَ لرَجلٍ هِبةً وقبَضَها -وهي مما تَجوزُ فيه الهِباتُ- ثم برِئَ المَريضُ من مَرضِه ذلك أنَّه لا سَبيلَ له عليه، وعادَت بصِحتِه كأنَّه استَوهَب في الصِّحةِ، إلا اللَّيثَ بنَ سَعدٍ؛ فإنَّه قالَ: إنْ لم يُجدِّدْ تلك الهِبةَ في ذلك المَوهوبِ بطَلَت هِبتُه (¬٢).
وأجمَعَ الجُمهورُ الذين هُمْ حُجةٌ على مَنْ خالَفَهم أنَّ هِباتِ المَريضِ المُثقَلِ وصَدقاتِه لا يَنفُذُ منها إلا ما حمَلَه ثُلثُه، وقالَ داودُ: عَطاياه جائِزةٌ نافِذةٌ في مالِه كلِّه؛ لأنَّه ليسَ بوَصيةٍ، وإنَّما الوَصيةُ ما يُستحَقُّ بمَوتِ المُوصي (¬٣).
وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ المالِكيُّ ﵀: هِباتُ المَريضِ وعَطاياه وعِتقُه وكلُّ ما يُخرجُه من مالِه على غيرِ مُعاوضةٍ مَوقوفٌ غيرُ مُتنجَّزٍ؛ فإنْ صَحَّ لزِمَه، وإنْ ماتَ كانَ من الثُّلثِ.
وقالَ داودُ: كلُّ ذلك جائِزٌ من رأسِ المالِ.
فدَليلُنا قَولُه ﷺ: «إنَّ اللهَ جعَلَ لكم ثُلثَ أموالِكم عندَ مَوتِكم»، فأخبَرَ أنَّه ليسَ له إلا الثُّلثُ، فلم يُجِزْ زيادةً عليه، ولحَديثِ عِمرانَ