وأكثر ما كان يزعجه في العالم تقربه من السلطان، والتزلف إليه، وهو الذي آلى على نفسه ألا يمشي إلى من يرى خطير القدر لأجل دنيا، لأن مشيه إليه بالعلم يزري (¬١)، ومن ثم ابتعد عن سبط ابن الجوزي، وقد جمع بينهما حب التاريخ، لأنه كان قريبا من السلاطين (¬٢)، فقد ربي طوال زمانه في جاه عريض عندهم (¬٣). ولم يخف أبو شامة موقفه منه، فقد قص لنا مناما رآه عند موته، فقال: «ورأيت موته مناما تلك الليلة قبل أن أسمع به يقظة، إلا أني رأيته في حالة منكرة، ورآه غيري أيضا كذلك، نسأل الله العافية» (¬٤)، وربما لهذا لم يحضر أبو شامة جنازته، متعللا بمرض ألم به (¬٥).
وهذا الموقف من علماء السلاطين هو الذي أملى عليه موقفه من شيخ بعلبك محمد بن أحمد اليونيني، والد المؤرخ قطب الدين، فقال في ترجمته: «ونفق على جماعة من الملوك والأمراء، وحصل منهم دنيا واسعة، ورفاهية عيش» (¬٦). ومن ثم ندت عن قلم أبي شامة عبارات يفهم منها أنه يستهزئ بها على تصوفه الظاهر الذي لا يصله بتصوف شيخه عبد الله اليونيني - وكان من كبار زهاد عصره - إلا أنه يلبس على رأسه قبع فرو أسود، جوفه إلى الخارج بلا عمامة (¬٧)، كما كان يلبس شيخه عبد الله (¬٨)، وليس له من المشيخة إلا ظاهرها، فقد كان شيخا ضخما، واسع الوجه، كبير اللحية (¬٩).