وكان عند سبط ابن الجوزي من الغضب والألم لتسليم القدس، ما جعله يستجيب على الفور لما طلبه منه الناصر داود، ويحدثنا عن مجلسه ذاك، فيقول: «فما أمكنني مخالفته، ورأيت من جملة الديانة والحمية للإسلام موافقته. فجلست بجامع دمشق، وحضر الناصر داود على باب مشهد علي، وكان يوما مشهودا، ولم يتخلف من أهل دمشق أحد» (¬١).
ويصدح صوت سبط ابن الجوزي في أرجاء الجامع، مستثيرا عواطف مستمعيه بعباراته، مزوقا كلامه بأسجاعه، وقد تعالى بكاؤهم، فكان مما قال: «انقطعت عن بيت المقدس وفود الزائرين، يا وحشة المجاورين، كم كان لهم في تلك الأماكن من ركعة، كم جرت لهم على تلك المساكن من دمعة، تالله لو صارت عيونهم عيونا لما وفت، ولو تقطعت قلوبهم أسفا لما شفت، أحسن الله عزاء المسلمين، يا خجلة ملوك المسلمين، لمثل هذه الحادثة تسكب العبرات لمثلها تنقطع القلوب من الزفرات، لمثلها تعظم الحسرات» (¬٢).
وكان صديقه (¬٣) الرئيس الفاضل شهاب الدين أبو يوسف يعقوب بن محمد الشيباني الدمشقي، المعروف بابن المجاور (¬٤)، قد نظم قصيدة حسنة في رثاء بيت المقدس حين خرب المعظم سوره، وهج الناس منه (¬٥)، فرأى سبط ابن الجوزي أن الحال يقتضي إنشادها الآن، فمما قاله منها: