كم كان لي من مجلس لو شبهت حالاته لتشبهت بالجنة فما إن نزل عن المنبر حتى أقعده مرض الشيخوخة، وتوفي ليلة الجمعة بين العشاءين في داره بقطفتا (¬١)؛ بالجانب الغربي من بغداد (¬٢)، وله نحو سبع وثمانين سنة (¬٣).
ووقف سبطه في عزائه، يتكلم عن حياته ومناقبه، وعينه تفيض بالدمع على فراقه (¬٤). ولحبه ووفائه له أفرد من بعد ترجمة ضافية له في كتابه «مرآة الزمان» (¬٥).
* * *
ويبدو أن سبط ابن الجوزي قد أصاب منزلة في بغداد على صغر سنه، فحين توفيت زمرد خاتون - والدة الخليفة الناصر لدين الله في جمادى الأولى سنة ٥٩٩ هـ/ ١٢٠٣ م، وكانت امرأة صالحة، كثيرة المعروف والصدقات - كان هو أحد المتكلمين في عزائها. وقد اتفق يوم وفاتها نزول الثلج، وزيادة دجلة زيادة عظيمة، فتكدر نهر عيسى، وتربتها قريبة منه، فأنشد أبياتا، منها:
شابت ليوم وفاتها لمم الثرى … حزنا وجاد لها الندى ببهائه
فلنهر عيسى بعد أنس وحشة … وبمائه كدر بعيد صفائه
قامت قيامته فأضحى زائدا … ينمي وذلك مؤذن ببكائه