وتطول إقامته بدمشق حتى أواخر سنة ٦٠٣ هـ/ ١٢٠٧ م (¬١) حين يعزم أخيرا على العود إلى بغداد عن طريق حلب (¬٢). فيعقد بجامع الحنابلة في الصالحية آخر مجالسه للوعظ، مودعا فيه محبيه، وقد وصف لنا بقلمه مجلسه ذاك بقوله: «وجلست بقاسيون، وودعت الناس، فلم يتخلف بدمشق إلا اليسير، وامتلأ جامع الجبل بالناس، فصاحوا علينا من الشبابيك التي بالإيوان: لا، لا؛ يعني: قوموا، فاخرجوا. فخرجنا إلى المصلى. وكان شيخنا تاج الدين الكندي حاضرا، فلما خرج من الباب زحموه، فانكشف رأسه، ووقعت عمامته، فعز علي، وسألته، وأقسمت عليه أن يمضي إلى دمشق، فامتنع، وقال: لا والله حتى نتمم المجلس. وتاب في ذلك اليوم زيادة على خمس مئة شاب، وقطعوا شعورهم (¬٣). وجرى كلام في المغناطيس، وأنه يعشق الحديد، ثم قلت: والخبازى يعشق الشمس، ولهذا كلما مالت الشمس إلى جهة مال الخبازى إليها. فصاح سيف الدين محمد بن تميرك؛ أمير الحاج، وكان حاضرا: يا مولاي شمس الدين، كلنا اليوم خبازى» (¬٤).
* * *
وعقب انفضاض ذلك المجلس الحافل، يغادر سبط ابن الجوزي دمشق، ويصل إلى حلب أوائل شهر ذي الحجة سنة ٦٠٣ هـ/ تموز.