عاجلًا، فأذن له تعالى في الهجرةِ إلى المدينة النبويَّة حيث الأنصار والأحباب فصارت له دارًا وقرارًا، وأهلها له أنصارًا.
قال أحمد بن حنبل (¬١) وعثمان بن أبي شيبة (¬٢)، عن جرير، عن قابوس بن أبي ظَبْيَان (¬٣)، عن أبيه، عن ابن عباس: كان رسول اللَّه ﷺ بمكة، فأمر بالهجرة وأُنزل عليه: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠].
وقال قتادة: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ المدينة ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ الهجرة من مكة ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ كتاب اللَّه وفرائضه وحدوده.
قال ابنُ إسحاق (¬٤): وأقام رسولُ اللَّه ﷺ بمكة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يُؤذَن له في الهجرة ولم يتخلَّفْ معه بمكة إلا من حُبس أو فُتن، إلا عليُّ بن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄، وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذنُ رسولَ اللَّه ﷺ في الهجرة فيقول له: "لا تَعْجَلْ لعلَّ اللَّهَ يجعلُ لك صاحبًا" فيطمع أبو بكر أن يكونه.
فلما رأتْ قريشٌ أنَّ رسول اللَّه ﷺ قد صار له شيعةٌ وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروجَ أصحابه من المهاجرين إليهم عرفوا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا منهم منَعةً، فحذِرُوا خروجَ رسولِ اللَّه ﷺ إليهم وعرفوا أنه قد أجمع لحربهم، فاجتمعوا له في دار الندوة -وهي دارُ قصيّ بن كلاب التي كانت قريشٌ لا تقضي أمرًا إلا فيها- يتشاورونَ فيما يصنعون في أمر رسولِ اللَّه ﷺ حين خافوه.
قال ابن إسحاق (٤): فحدَّثني من لا أتَّهمُ من أصحابنا، عن عبد اللَّه بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جَبْر (¬٥) وغيره ممن لا أتَّهم، عن عبد اللَّه بن عباس، قال: لما اجتمعوا لذلك واتَّعدوا أن يدخلوا في دار الندوة ليتشاوروا فيها في أمرِ رسولِ اللَّه ﷺ غدَوْا في اليوم الذي اتَّعدوا له، وكان ذلك اليوم يسمى يوم الزَّحْمة، فاعترضهم إبليسُ لعنه اللَّه في هيئة شيخٍ جليل عليه بتٌّ (¬٦) له فوقف على باب الدار، فلما رأوه