كعبٌ: وكنا تخلَّفنا أيُّها الثلاثة عن أَمْرِ أولئك الذين قبل منهم رسول الله حين حلفوا له فيبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسول الله أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨]. ليس الذي ذكر الله مما خُلِّفنا من الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه.
وهكذا رواه مسلمٌ (¬١)، من طريق الزهريِّ بنحوه.
وهكذا رواه محمد بن إسحاق (¬٢)، عن الزهريِّ مثل سياق البخاريِّ، وقد سقناه في "التفسير" (¬٣) "مسند الإمام أحمد" (¬٤)، وفيه زياداتٌ يسيرة، ولله الحمد والمنَّة.
* * *
ذكر أقوامٍ تخلَّفوا من العصاة غير هؤلاء
قال عليُّ بن طلحة الوالبيُّ، عن ابن عباسٍ في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٢]. قال: كانوا عشرة رهطٍ تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فلما حضر رجوعه أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرُّ النبيِّ ﷺ إذا رجع من المسجد عليهم، فلما مرَّ بهم رسول الله قال: "من هؤلاء؟ " قالوا: أبو لبابة وأصحابٌ له، تخلَّفوا عنك، حتى تطلقهم وتعذرهم. قال: "وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله، ﷿، هو الذي يطلقهم، رغبوا عني، وتخلَّفوا عن الغزو مع المسلمين". فلما أن بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا. فأنزل الله ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ … ﴾. الآية. و ﴿عَسَى﴾ من الله واجبٌ، فلما أُنزلت، أرسل إليهم رسول الله فأطلقهم وعذرهم، فجاؤوا بأموالهم وقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا فتصدَّق بها عنا، واستغفر لنا. فقال: "ما أُمرت أن آخذ أموالكم". فأنزل الله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣ - ١٠٦]. وهم الذين لم يربطوا أنفسهم بالسواري فأرجئوا، حتى نزل قوله تعالى: