وبقصة (¬١) الرجم، فإنهم كما ثبت في "الصحيحَين" (¬٢) عن ابن عمر، وفي "صحيح" مسلم عن البَراء بن عازب (¬٣) وجابر بن عبد الله (¬٤)، وفي "السنن" عن أبي هريرة (¬٥) وغيره لمَّا تحاكموا إلى رسول الله ﷺ في قصّة اليهودي واليهودية اللذين زنيا فقال لهم: "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ " فقالوا: نفضهم ويُجلدون. فأمرهم رسول الله ﷺ بإحضار التوراة، فلما جاؤوا بها وجعلوا يقرؤونها ويكتمون آيةَ الرجم التي فيها، ووضع عبد الله بن صوريا يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له رسول الله ﷺ: "ارفع يَدك يا أعور". فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فأَمَرَ رسولُ الله ﷺ برجمها وقال: "اللهمَّ إني أوَّلُ من أحيا أمرك إذ أماتوه" وعند أبي داود (¬٦) أنهم لما جاؤوا بها نَزَعَ الوِسادةَ من تحته فوضعها تحتها (¬٧) وقال: "آمنتُ بكَ وبمَن أنزلَكَ". وذكر بعضُهم أنه قام لها، ولم أقف على إسناده. والله أعلم.
فهذا كلّه يُشْكِلُ على ما يقوله كثيرٌ من المتكلّمين وغيرِهم: إن التوراة انقطع تواترها في زمن بُخت نصّر ولم يبقَ من يحفظها إلا العُزَيْر، ثمّ العزيرَ (¬٨) إن كان نبيًا فهو معصومٌ والتواتر إلى المعصوم يكفي، اللهمّ إلا أن يُقال إنها لم تتواتر إليه. لكِنْ بعده زكريا ويحيى وعيسى وكلّهم كانوا متمسكين بالتوراة، فلو لم تكن صحيحةً معمولًا بها لما اعتمدوا عليها وهم أنبياء معصمومون.
ثم قد (¬٩) قال الله تعالى فيما أنزل على رسوله محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء منكرًا على اليهود في قصدهم الفاسد، إذ عدلوا عمّا يعتقدون صحَّته عندهم، وأنهم مأمورون به حتمًا إلى التحاكم إلى رسول الله ﷺ وهم يعاندون ما جاء به. لكنْ لمَّا كان في زعمهم ما قد يوافقهم على