الآدميين، وأنهم عباد مُعبّدون لله تعالى؛ منهم الصالحون، ومنهم دون ذلك، منهم المسلمون، ومنهم القاسطون، وأنهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا رشداً، إلى آخر ما ذكروا.
قوله: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ﴾ بفتح الهمزة؛ لأنها مؤولة بمصدر. وكلمة (رجال) خرجت مخرج الأغلب، وإلا ربما وقع هذا الأمر من النساء أيضاً.
قوله: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ أفاد ذلك أن في الجن رجال ونساء، فيهم ذكور وإناث، وهذا هو الحق؛ ولهذا قيل في تفسير قول النبي ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" (¬١): أن الخبُث: ذكور الشياطين، والخبائث إناثهم (¬٢)، ولهذا يتناسلون ويتكاثرون.
قوله: ﴿يَعُوذُونَ﴾ أي: يعوذون بهم عياذة شركية، وقد جاء ذلك مفسراً في الآثار، وهو أن الرجل من أهل الجاهلية كان إذا نزل في سفره في وادٍ، نادى: "أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه" (¬٣)، سيد الوادي من الجن؛ لأنهم يخشون أن تصيبهم الجن بأذى، إما بقذف، أو قتل، أو نحو ذلك، فيعلنون الدخول في جوارهم، ويطلبون منه العوذ.
قوله: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ الرهق: العنت، والمشقة. وللآية توجيهان:
الأول: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زاد الإنسُ الجنَّ رهقاً، فيكون معنى (رهقاً) أي: طغياناً وتكبراً؛ أي: لما وجد الجن أن الإنس يعوذون بهم صار عندهم نوع من الزهو، والغرور، والطغيان الذي يستطيلون به على الإنس؛ لأن الإنسان إذا استضعف لغيره استطال عليه.
الثاني: ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ أي: زاد الجنُّ الإنسَ عنتاً، وأذىً، ومشقة؛ فاستذلوهم واستضعفوهم. ولا مانع من اجتماع المعنيين، وصحة التفسيرين. فالواقع: أن عياذ الإنس بالجن أدى إلى نتيجتين متلازمتين: