وزوجه، فكان هذا من أسباب حصوله في بني آدم. ولم يزل السحر موجودًا في بني آدم، وآثاره مشهودة.
قوله: "باب: ما جاء في السحر" أي: باب ما جاء من النصوص من الوعيد في السحر. والسحر في اللغة: ما خفي ولطف سببه، أي: أن له تأثيراً خفياً دقيقاً؛ ولهذا جاء في الحديث: "إن من البيان لسحراً" (¬١)؛ وذلك لأن البيان يُؤثر في النفوس، فالكلام كما قيل: مغناطيس القلوب؛ ولهذا يطلق السحر على الهواء، فيقال: فلان انتفخ سحره -اي: رئته- بالهواء.
وأما في الاصطلاح: فهو عبارة عن عزائم، ورقى، وتدخينات، وأدوية، تُؤثر في القلوب والأبدان، فتقتل تارة، وتمرض تارة، وتفرق بين المرء وزوجه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: قد علمت اليهود؛ إذ السياق في الرد على اليهود وبيان مخازيهم التي منها: اشتغالهم بالسحر. وقد سحروا رسول الله ﷺ؛ سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، فصار النبي ﷺ يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يفعله، لكن ذلك لم يُؤثر على البلاغ، فإن الوحي معصوم -بحمد الله-، حتى قال لعائشة ﵂: "أشعرت أن الله أفتاني فيما فيه شفائي، أتاني رجلان: فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال أحدهما للآخر: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال لبيد بن الأعصم، قال: فيما ذا؟ قال: في مشط ومشاقة، وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان". فخرج إليها النبي ﷺ، ثم رجع، فقال لعائشة حين رجع: "نخلها كأنه رؤوس الشياطين"، فقلت: استخرجته؟ فقال: "لا، أما أنا فقد شفاني الله، وخشيت أن يثير ذلك على الناس شراً" ثم دفنت البئر (¬٢). فترك النبي ﷺ معاقبة الساحر اليهودي، مراعاة لهذه المصلحة، وهي خشية إثارة الفتنة بين الناس. فاليهود دهاقنة السحر قديماً وحديثاً، فلهذا ذمهم الله تعالى بتعاطيه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ أي: من رضي به، واستعمله.