وأما الإنس: فهم ذريّة آدم ﵇، فقد أهبطه الله تعالى وزوجه إلى الأرض، وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء. فهاتان الخليقتان؛ الجن والإنس، ما خلقهما الله ﷿ إلا لعبادته.
وقوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾: يروى عن ابن عباس ﵄: "أي: إلا ليوحدون"، وقال البخاري في كتاب التفسير، في صحيحه: (مَا خَلَقْتُ أَهْلَ السَّعَادَةِ مِنْ أَهْلِ الفَرِيقَيْنِ إِلَّا لِيُوَحِّدُونِ) (¬١). قال ابن حجر: (هُوَ قَول الْفراء، وَنَصره بن قُتَيْبَةَ فِي مُشْكِلِ الْقُرْآنِ لَهُ) (¬٢)، لأنّ العبادة لا تكون عبادة إلا حين يُفرَد الله تعالى بها، وأما إذا كان فيها شرك فلا تُسمى عبادة، قال ربنا ﷿ في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه" (¬٣).
مناسبة الآية للباب:
مناسبةٌ ظاهرة؛ إذ أنّها دلت على وجوب توحيد الله، وإفراده بالعبادة؛ وأن الحكمة من الخلق هي إفراد الله تعالى بالعبادة.
فوائد الآية:
١ - وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة.
٢ - بيان الحكمة من خلق الجن والإنس، فالله تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما عبثاً، بل خلقهما لحكمة بالغة، وبثّ فيها الإنس والجن؛ ليعمروها بعبادته.
٣ - إثبات الحكمة والتعليل؛ خلافًا لمن نفاهما من المتكلمين، فأهل السنة والجماعة يعتقدون أنّ الله ﷾ لا يفعل إلا لحكمة، وأن مشيئته مقرونة بحكمته، خلافًا لمن زعم من الأشاعرة: بأنه يفعل لمحض المشيئة، وقد بيَّن ابن القيم ﵀ هذا بيانًا شافيًا، في كتابه القيّم (شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل).