وأما ابن تيميَّة فهو من أوسع العلماء فَهْمًا وتحقيقًا لأصول الخلاف بين المذاهب، وكتبه زاخرة بالعبارات التي تدل على سبقه في هذا، و (القواعد النورانية) (¬١) مثال جليٌّ على ذلك.
ومن جملة ما قرَّره في أصول الخلاف قوله: إن مذهب أهل المدينة في الأطعمة «الغالب عليهم فيها عدم التحريم، فيبيحون الطيور مطلقًا وإن كانت من ذات المخالب، ويكرهون كل ذي ناب من السباع، وفي تحريمها عن مالك روايتان، وكذلك في الحشرات عنه -هل هي محرمة، أو مكروهة - روايتان، وكذلك البغال والحمير، وروي عنه أنها مكروهة أشد من كراهة السباع، وروي عنه: أنها محرمة بالسنة دون تحريم الحمير، والخيل أيضًا يكرهها، لكن دون كراهة السباع» (¬٢).
وذكر أيضًا: أنَّ «أهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس، ليست الخمر عندهم إلا من العنب، ولا يحرمون القليل من المسكر إلا أن يكون خمرًا من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه، وهم في الأطعمة في غاية التحريم حتى حرموا الخيل والضباب» (¬٣).