الأول، وهجرِه للناقة الملعونة، دليلٌ على إجابة الدُّعاء وقت الغضب؛ إذ إنَّ الدُّعاء لا يصدُرُ في الغالب إلاَّ في حالة الغضب، فإذا أوخذ الغضبان على دعائه حُوسِبَ على طلاقه (¬١) ووقفه، ونحو ذلك.
ونوقش: بعدم التسليم بأنَّ الدُّعاء لا يصدُر إلاَّ في حالة الغضب، وأنَّ هجر النبي ﷺ دليل إجابة الدُّعاء؛ إذ إنَّ الدُّعاء يندر في حالة الغَضَب وعَدَمِه، وعلى ذلك هَجَر النبي ﷺ النَّاقة الملعونة من باب التأديب والتربية لصحابته ﵃ بالترفُّع عن ما حرم من الأقوال، وخاصَّة ما عَظُمَ منها كاللَّعن (¬٢).
(٧٥) ٩ - ما رواه الدارقطني من طريق سيف، عن مجاهد قال: جاء رجل من قريش إلى ابن عباس فقال: يا ابن عباس إني طلَّقت امرأتي ثلاثاً وأنا غضبان، فقال ابن عباس ﵄: " لا أستطيع أن أُحِلَّ لك ما حرَّم اللهُ عليك، عصيتَ ربَّك وحَرُمَت عليك امرأتك " (¬٣).
(¬١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٨/ ٢٨٦)، الفواكه العديدة في المسائل المفيدة (٢/ ٥٣).
(¬٢) يُنظر: إغاثة اللَّهفان في حكم طلاق الغضبان (ص ٩).
(¬٣) بهذا اللفظ أخرجه الدارقطني -كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ١٣) (٣٨).
وهذا الأثر عزاه ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١٣٠) إلى الجوزجاني أيضاً وقال: " بإسناد على شرط مسلم ".
وهذا إسنادٌ صحيحٌ ورجالُهُ ثقاتٌ.
دعلج: هو ابن أحمد، وحبان: هو ابن موسى المروزي، وسيف: هو ابن أبي سليمان المكّي.
وروى هذا الأثر أبو داود في سننه في أول كتاب الطلاق/ باب بقيَّة ما نسخ المراجعة بعد ثلاث تطليقات (٣/ ٧٢) برقم (٢١٩٠)، فقال: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا إسماعيل، أخبرنا أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس ﵂ فجاءه رجلٌ فقال: إنَّه طلَّقَ امرأته ثلاثاً. قال: فسكت حتى ظَنَنت أنه رادَّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدُكُم فيركب الحموقة ثم يقول: يا ابن عباس، يا ابن عباس! وإنَّ اللهَ قال: (ومن يتَّق اللهَ يجعل له مخرجاً) …
وهذا إسنادٌ حَسَن.
إسماعيل: هو ابن عليَّة، وأيوب: هو السختياني، وعبد الله بن كثير: هو الداري المكّي.
وقال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٥٣): إسناده صحيح.
وأخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٨/ ٨٤)، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الطلاق/ باب المطلق ثلاثاً (٦/ ٣٩٧) برقم (١١٣٥٢)، والدارقطني في سننه في كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ٦٠) برقم (١٤٣)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٧٣) كلاهما من طريق عبد الله بن كثير، عن مجاهد .. به.
وأخرجه ابنُ جرير في تفسيره (٢٨/ ٨٣) قال: حدثنا ابن المثنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أنَّ رجلاً سأَلَ ابن عبَّاس فقال: " إنَّه طلَّقَ امرأته مئة، فقال: عصيتَ ربَّك، وبانت منك امرأتُك، ولم تتَّق الله فيجعل لك مخرجاً .. ".
وأخرجه الطحاويُّ في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٨)، والطبراني في معجمه الكبير (١١/ ٧٨)، والبيهقي في السنن الكبرى في كتاب الخلع والطلاق/ باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد في خلاف ذلك (٧/ ٥٥٢) برقم (١٤٩٧٦)، والدارقطني في سننه في كتاب الطلاق والخلع والإيلاء ونحوه (٤/ ١٣) برقم (٣٨).
وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الطلاق/ من كره أن يطلق الرجل امرأته ثلاثاً في مقعد واحد وأجاز ذلك عليه (٤/ ٦١) برقم (١٧٧٨٣)، وسعيد بن منصور في سننه -كتاب الطلاق/ باب التعدّي في الطلاق (١/ ٢٦٢) (١٠٦٤)، والطحاويُّ في شرح معاني الآثار (٣/ ٥٧)، والبيهقي في سننه (٧/ ٣٣٧).
كلهم من طريق الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس ﵄ أنه أتاه رجل فقال: إنَّ عمي طلَّق امرأته ثلاثاً.
وجاء من طرقٍ كثيرة عن ابن عباس ﵂.
وقد جَمَعَ كثيراً من طرقه أبو داود في سننه.
قال الحافظ ابن رجب: إسناده على شرط مسلم.
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح (يُنظر: جامع العلوم والحكم، ص ١٣٠).