• الثَّانِي: رَجُلٌ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ مُسْتَعِدٌّ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِلْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ الَّتِي يُخْبِرُ بِهَا اللَّهُ عَنِ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ وُرُودِهَا، أَوْ وُصُولِهَا إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، فَهُوَ غَائِبُ الْقَلْبِ، لَيْسَ حَاضِرًا، فَهَذَا أَيْضًا لَا تَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرَى مَعَ اسْتِعْدَادِهِ وَوُجُودِ قَلْبِهِ.
• الثَّالِثُ: رَجُلٌ حَيُّ الْقَلْبِ مُسْتَعِدٌّ، تُلِيَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، فَأَصْغَى بِسَمْعِهِ، وَأَلْقَى السَّمْعَ وَأَحْضَرَ قَلْبَهُ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ بِغَيْرِ فَهْمِ مَا يَسْمَعُهُ، فَهُوَ شَاهِدُ الْقَلْبِ، مُلْقٍ السَّمْعَ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ وَالْمَشْهُودَةِ.
• فَالْأَوَّلُ: بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ.
• وَالثَّانِي: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الطَّامِحِ بِبَصَرِهِ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، فَكِلَاهُمَا لَا يَرَاهُ.
• وَالثَّالِثُ: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الَّذِي قَدْ حَدَّقَ إِلَى جِهَةِ الْمَنْظُورِ، وَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وَقَابَلَهُ عَلَى تَوَسُّطٍ مِنَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَرَاهُ.
• فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ كَلَامَهُ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ. ا. هـ.
• وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا سَبِيْلَ إِلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيْهِ وَأَحْكَامِهِ، وَلَا سَبِيْلَ إِلَى كَمَالِ تَدَبُّرِهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ خَاصِّهِ وَعَامِّهِ، وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ، وَمُبَيَّنِهِ وَمُجْمَلِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ، وَأَسْبَابِ نُزُولِهِ، فَلْتُصْرَفِ الْهِمَمُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّها مِنْ أَولَى مَا يَنبَغِي عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ هِمَّتَهُ.
• فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، لَكِن لَوْ أُوقِفَ كَثِيْرٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا فِيْهِ، وَسُئِلَ عَنْهُ لَانقَطَعَ وَتَحَيَّر!، فَلَوْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ مُوْسَى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨]؛ لَمَا أَجَابَ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ!.
• فَالْفَهْمَ الْفَهْمَ عِبَادَ اللهِ، وَالتَّدَبُّرَ التَّدَبُّرَ، وَالتَّذَكُّرَ التَّذَكُّرَ.