﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠)﴾
الشرح: ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أي: مستو منكم من أخفى القول وكتمه، ومن أظهره، وأعلنه. ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ أي: مستتر بظلمته، ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾ أي: ذاهب في النهار في سربه، أي: طريقه، ومعنى الآية: سواء ما أضمرت القلوب، أو نطقت به الألسن، وسواء من أقدم على القبائح مستترا في ظلمات الليل، أو أتى بها ظاهرا في النهار، فإن علمه تعالى محيط بالجميع، هذا؛ و ﴿وَسارِبٌ﴾ اسم فاعل من سرب في الأرض سروبا من بابي: قعد، وذهب، والسرب بكسر السين: الطريق، والنفس أيضا، قال الرسول ﷺ: «من أصبح معافى في بدنه، آمنا في سربه، عنده قوت يومه فقد ملك الدّنيا بحذافيرها». والسرب بكسر السين أيضا: القطيع من القطا، والظباء، والوحش، والنخل، والخيل، والحمر، والنساء. هذا؛ ولا تنس ما في الآية من الطباق والمقابلة بين أسرّ وجهر، وبين مستخف وسارب، وهذا من المحسنات البديعية.
هذا؛ و ﴿سَواءٌ﴾: مصدر بمعنى الاستواء، فلذا صح الإخبار به عن متعدد في كثير من الآيات، وقيل: هو بمعنى مستو، وهو لا يثنى، ولا يجمع، قالوا: هما وهم سواء، فإذا أرادوا لفظ المثنى، قالوا: سيان، وإن شئت قلت: سواءان، وفي الجمع: هم أسواء، وهذا كله ضعيف ونادر، وأيضا على غير القياس: هم سواس، وسواسية، أي: متساويان ومتساوون، هذا؛ والسواء أيضا: العدل والوسط، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾.
الإعراب: ﴿سَواءٌ﴾: خبر مقدم. ﴿مِنْكُمْ﴾: متعلقان بمحذوف حال من الضمير المستتر في ﴿سَواءٌ﴾. ﴿مَنْ﴾: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿سَواءٌ﴾ مبتدأ سوغ الابتداء به تعليق ﴿مِنْكُمْ﴾ بمحذوف صفة له، ويكون ﴿مَنْ﴾ خبره، وجملة: ﴿أَسَرَّ الْقَوْلَ﴾ صلة من، والعائد رجوع الفاعل عليه، و (من) الثانية معطوفة على ما قبلها على الاعتبارين فيها، وجملة: ﴿جَهَرَ بِهِ﴾ صلته أيضا، والعائد رجوع الفاعل أيضا. (من):
اسم موصول معطوف على ما قبله، ﴿هُوَ﴾: ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
﴿مُسْتَخْفٍ﴾: خبر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة لالتقاء الساكنين، والجملة الاسمية صلة الموصول، هذا؛ ويجوز اعتبار ﴿مَنْ﴾ في المواضع الثلاثة نكرة موصوفة، فتكون الجملة صفتها، والرابط: رجوع الفاعل إليها. ﴿بِاللَّيْلِ﴾: متعلقان بمستخف: ﴿وَسارِبٌ﴾:
معطوف على ﴿مُسْتَخْفٍ،﴾ فهو على تقدير: ومن هو سارب. ﴿بِالنَّهارِ﴾: متعلقان بسارب، وفيه وفي ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ ضمير مستتر هو فاعلهما.