﴿مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾
الشرح: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ أي: من أمام الجبار العنيد، وانظر الآية رقم [٧١] من سورة (هود) ﵇ تجد ما يسرك ويثلج صدرك. ﴿جَهَنَّمُ﴾ أي: فإنه مرصد بها، واقف على شفيرها في الدنيا، مبعوث إليها في الآخرة، وقيل: المعنى من وراء حياة الجبار العنيد جهنم. ﴿وَيُسْقى﴾ أي: الجبار العنيد. ﴿مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ﴾ أي: مثل الصديد، كما يقال للرجل الشجاع: أسد؛ أي:
مثل الأسد، وهو تمثيل وتشبيه، وقيل: هو ما يسيل من أجسام أهل النار من القيح والدم، وقال محمد بن كعب القرظي: هو ما يسيل من فروج الزناة، والزواني، وانظر الآية التالية.
الإعراب: ﴿مِنْ وَرائِهِ:﴾ متعلقان بمحذوف صفة ثالثة للموصوف المحذوف، أو في محل نصب حال منه بعد وصفه بما تقدم. ﴿جَهَنَّمُ:﴾ فاعل بالجار والمجرور لاعتمادهما على الموصوف، وفي الحقيقة نائب فاعل لفعل مقدر؛ أي: يوجد من ورائه جهنم. هذا؛ والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم، و ﴿جَهَنَّمُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة الاسمية صفة للموصوف المحذوف، أو حال منه على نحو ما تقدم. ﴿وَيُسْقى:﴾ الواو: حرف عطف.
(يسقى): مضارع مبني للمجهول مرفوع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف، ونائب الفاعل يعود إلى الشخص الجبار، وهو المفعول الأول. ﴿مِنْ ماءٍ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما، وهما في محل نصب مفعوله الثاني. ﴿صَدِيدٍ:﴾ عطف بيان، أو بدل من ﴿ماءٍ،﴾ وقيل: هو نعت ل: ﴿ماءٍ،﴾ كما تقول: هذا خاتم حديد، والبصريون لا يجيزون عطف البيان في النكرات، وأجازه الكوفيون، وتبعهم الفارسي، وهو بصري. وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ معطوفة على الصفة قبلها، فهو عطف جملة فعلية على مثلها على الإعراب الأول في: ﴿مِنْ وَرائِهِ﴾ وعطف جملة فعلية على اسمية على الإعراب الثاني، وقيل: الجملة معطوفة على جملة محذوفة، التقدير: يلقى فيها، ويسقى، فيكون المحل للمقدرة، وجملة: ﴿(يُسْقى...)﴾ إلخ تابعة لها.
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾
الشرح: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي: يتحسى الجبار العنيد الماء الصديد، ويشربه لا بمرة واحدة، بل يبتلعه جرعة بعد جرعة لمرارته، وكراهته، وحرارته، ونتنه، فعن أبي أمامة-﵁-عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قال: «يقرّب إلى فيه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه، قطّع أمعاءه حتى تخرج من دبره».