والجملة الاسمية مستأنفة، لا محل لها. هذا؛ ويقرأ الفعل «(يكون)» بالنصب عطفا على ﴿نَقُولَ،﴾ وليست الفاء للسببية؛ لأن لفظ ﴿كُنْ﴾ أمر، ومعناه الخبر عن قدرة الله تعالى؛ إذ ليس ثمّ مأمور بأن يفعل شيئا. أفاده مكي بن أبي طالب القيسي.
﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾
الشرح: ﴿وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا:﴾ هم رسول الله ﷺ، وأصحابه المهاجرون، ظلمهم كفار قريش، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وأكثرهم هاجر إلى المدينة هجرة واحدة. أو المراد: المستضعفون، المحبوسون، المعذبون في مكة بعد هجرة الرسول ﷺ، وهم: بلال، وعمار، وصهيب، وخباب، وعابس، وأبو جندل بن سهيل-﵃ أجمعين-ومعنى ﴿فِي اللهِ﴾ لله، ولوجهه ف: ﴿فِي﴾ بمعنى: اللام، وهو مستعمل لغة.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً:﴾ المراد بالحسنة: نزولهم المدينة، أو هي: العزة، والكرامة، والنصر على الأعداء، أو هي: ما أغدقه الله عليهم من خيرات الدنيا. روي: أن عمر بن الخطاب-﵁-كان إذا أعطى رجلا من المهاجرين عطاء، يقول له: (خذ هذا بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا، وما ادّخر لك في الآخرة أفضل). ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أي: أعظم، وأفضل، وأشرف مما أعطاهم في الدنيا. ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لو كان الكفار يعلمون أن أجر الآخرة أكبر مما هم فيه من نعيم الدنيا؛ لرغبوا فيه، وآمنوا بالله ورسوله.
وقيل: الضمير راجع إلى المهاجرين، ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون ما أعد الله لهم في الآخرة؛ لزادوا في الجد، والاجتهاد، والصبر على ما أصابهم من أذى المشركين.
بعد هذا؛ فالهجرة: ترك الأوطان، والأهل، والقرابة في الله، كما حصل للمسلمين الأولين، كما رأيت. هذا؛ وقد أطلق الله اسم الهجرة على الجهاد في سبيل الله تعالى في الآية رقم [٨٩] من سورة (النساء)، وهناك هجرة أخرى، وهي «هجرة» جميع المعاصي والابتعاد عنها، قال الرسول ﷺ: «والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». هذا و «المبوّأ» المنزل الملزوم، ومنه بوّأه الله منزلا؛ أي: ألزمه إياه، وأسكنه فيه، وانظر الآية رقم [٨٧] من سورة (يونس) ﵇.
الإعراب: ﴿وَالَّذِينَ:﴾ الواو: حرف استئناف. (الذين): اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ، وأجاز أبو البقاء أن يكون في موضع نصب بفعل محذوف يفسره المذكور، وهو ضعيف؛ لأن الاشتغال لا وجه له هنا، وجملة: ﴿هاجَرُوا فِي اللهِ﴾ صلة الموصول، لا محل لها. ﴿مِنْ بَعْدِ:﴾ متعلقان بالفعل قبلهما أيضا: وتعليقهما بمحذوف حال من واو الجماعة لا بأس