والشراب أياماً، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير، فلم يقربه. ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم أكن لأشمتك بي، فقال الملك: فقبِّل رأسي، وأنا أطلقك، فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين، قال: نعم، قال: فقبَّل رأسه، فأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده. فلما رجع، قال عمر بن الخطاب ﵁: حق على كل مسلم أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ؛ فقام فقبَّل رأسه، ﵄".
قال العماد، رحمه الله تعالى: وكما كان بلال ﵁ يأبى على المشركين ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعون الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه أن يشرك بالله، فيأبى عليهم، وهو يقول: "أحد أحد"، ويقول: "والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها"، ﵁ وأرضاه. وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري، لما قال له مسيلمة الكذاب: "أتشهد أن محمداً رسول الله؟ فيقول: نعم، فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع، فلم يزل يقطعه إرباً إرباً، وهو ثابت على ذلك".
قلت: فهذه حال أصحاب رسول الله ﷺ وما لقوا من المشركين من شدة الأذى، فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين الذين سارعوا إلى الباطل، وأوضعوا فيه،