له ما يكرهه لنفسه، فإذا زال ذلك عنه فقد نقص إيمانه بذلك " (١).
أما الإِيثار فهو أعظم من ذلك في قوة حقيقة الإِيمان؛ لأن الإِيثار: هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا: أي خصصته به وفضلْته بالمال أو بالمنازل، أو بالنفس، لا عن غنىً بل مع الحاجة لذلك (٢) وقد وصل أصحاب النبي ﷺ إلى الدرجات العلى من الإِيثار، فعن أبي هريرة ﵁ قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إني مجهود (٣) فأرسل رسول الله ﷺ إلى بعض نسائهِ، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، فقال: " من يُضِيف هذا الليلة ﵀؟ " فقام رجل من الأنصار (٤) فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رَحْلِهِ (٥) فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا إلا قوت صبياني، قال: فَعَلِّليهم بشيءٍ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيهِ، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي ﷺ فقال: " قد عجب الله من صنيعِكما بضيفكما الليلة "، وفي رواية أن الصحابي قال لامرأته: نوِّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها. . . ونوَّمت صبيانها. . . فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]» (٦) ومما يدل على الإِيثار قصة مؤاخاة النبي ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف ﵁، وسعد بن الربيع ﵁،