غضبت، فجثوت على ركبتيّ، واستقبلت القبلة، ورفعت يديّ، فقلت: اللهم إنّا نشكوهم إليك، إنّا ننفق نفقاتنا، وننصب أبداننا، ونرحل مطايانا ابتغاء العلم، فإذا لقيناهم تجهّمونا وقالوا لنا؛ قال: فبكى أبيّ، وجعل يترضّاني، وقال: ويحك، لم أذهب هناك؛ ثم قال: إنّي أعاهدك لئن أبقيتني إلى يوم الجمعة لأتكلمنّ بما سمعت من رسول الله ﷺ ولا أخاف فيه لومة لائم؛ ثم أراه قام، فلّما قال ذلك انصرفت عنه وجعلت أنتظر الجمعة لأسمع كلامه؛ قال: فلّما كان يوم الخميس خرجت لبعض حاجاتي فإذا السّكك غاصّةمنالنّاس، لا آخذ في سكّة إلاّ تلقّاني النّاس، قلت: ما شأن النّاس؟ قالوا: نحسبك غريباً؛ قلت: أجل؛ قالوا: مات سيّد المسلمين أبيّ بن كعب.
قال: فلقيت أبا موسى بالعراق فحدّثته بالحديث، فقال: والهفاه! ألا كان بقي حتى يبلغنا مقالة رسول الله ﷺ.
وعن عمران بن عبد الله قال: قال أبيّ بن كعب لعمر بن الخطّاب: مالك لا تستعملني؟ قال: أكره أن يدنس دينك.
وعن أبي المهلب، عن أبيّ بن كعب قال: أمّا أنا فأقرأ القرآن في ثمان ليال.
وعن ابن عباس، قال: قال عمر بن الخطّاب: اخرجوا بنا إلى أرض قومنا؛ قال: فخرجنا، فكنت أنا وأبيّ بن كعب في مؤخّر النّاس، فهاجت سحابة، فقال أبيّ: اللهم اصرف عنّا أذاها، فلحقناهم وقد ابتلت رحالهم، فقال عمر: أما أصابكم الذي أصابنا؟ قلت: إن أبا المنذر دعا الله ﷿ أن يصرف عنّا أذاها؛ فقال عمر: ألا دعوتم لنا معكم! قال معمر: عامّة علم ابن عباس من ثلاثة: عمر، وعليّ، وأبيّ بن كعب، ﵃ أجمعين.
وعن مسروق، قال: سألت أبيّ بن كعب عن شيء، فقال: أكان بعد؟ قلت: لا؛ قال: فأجمّنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.
وعن أبي العالية، قال: كان أبيّ بن كعب صاحب عبادة، فلّما احتاج إليه النّاس ترك العبادة، وجلس للقوم.