وقيل: إن بني غفار بن حرام بن عوف بن معمر البلويين اقتتلوا هم وبنو عائذ الله الجذاميون، فقتل رجلٌ من بني عائذ الله بين الصفين يقال له: جرهاس، لم يدر من أصابه، فتدافعه الفريقان؛ كل يقول للآخر: أنتم قتلتموه؛ فاختصموا فيه إلى سلطانٍ بعد سلطانٍ، فلم تمض لأحدٍ من السلاطين فيه قضيةٌ؛ ثم خرجوا إلى أمير المؤمنين في الموسم فألفوا عنده ابن شهاب؛ فقال لابن شهاب: يا أبا بكر، انظر في أمرهم فقد رددت أمرهم إليك؛ فلما رجع ابن شهاب إلى منزله أتوه؛ فقال: يا أبا العائذ هلم البينة على قتيلكم؛ فلم يجدوا بينةً؛ فقال: يا بني غفار أنفلوا أنفسكم؛ فلم يجدوا من ينفلهم؛ فقال: هلم يا أبا العائذ قسامةً تقسم على دم صاحبكم؛ فأبوا؛ قال: هلم يا بني غفار قسامة تقسم على براءتكم؛ فأبوا؛ قال: أين ولي هذا القتيل؟ قيل: هو ذا؛ قال ابن شهاب: اذهب فقد قضينا لك بديةٍ مسلمةٍ، وجعلنا نصفها في بلعائذ، ونصفها على بني غفار؛ فانصرف الفريقان ورضيا؛ وقيل فيه هذا الشعر، وزاده فيه أبياتاً.
وعن ابن شهاب قال: إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه ﵊، وأدب النبي ﷺ أمته، أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدي إليه، فمن سمع علماً فليجعله أمامه حجةً فيما بينه وبين الله.
قال الليث:
جئت ابن شهاب يوماً بشيء من الرأي، فقبض وجهه؛ وقال: الرأي كالكاره له ثم جئته بعد ذلك يوماً آخر بأحاديث من السنن فتهلل وجهه وقال: إذا جئتني فاتني بمثل هذا.