وفضَّ حلَق المخالفين [¬١]، واستقرَّ المذهبُ بعده [¬٢] في أصحابه، فشاع في تلك الأقطار إلى وقتنا هذا.
وكان بالقيروان قومٌ قِلَّة في القَديم أخذوا بمذهب الشافعي، ودَخلَها شيء من مذهب داود، ولكنّ الغالبَ عليها إذ ذاك مذهبُ المدينة والكوفة، وكان الظهور في دَولة بني عبيد لمذهب الكوفيين، لموافقتهم إياهم في مسألة التّفضيل، فكان فيهم القضاءُ والرياسةُ.
وتشَرّق منهم قوم تقَمّنًا لمسَرّاتهم [¬٣]، واصطيادًا لدنياهم، وأخرجوا أضغانهم على المدنيّين [¬٤]، فجَرت على المالكية في تلك المدة محَنٌ، ولكنّهم مع ذلك كثيرٌ، والعامّة تقتدِي بهم، والناشيء فيهم ظاهرٌ، إلى أن ضعُفت دولةَ بني عُبيد بها [¬٥]، من لدن فتنة أبي يزيد الخارِجي، فظهَروا وفشوا عليهم [¬٦]، وصنّفوا المصنفات الجليلة، وقام منهم أئمة جَلّة طار ذكرهم [¬٧] بأقطار الأرض؛ ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن خرجَت القيروان [¬٨] وأهلها وجهاتُها، وسائرُ بلاد المغرب مُصفِقةً [¬٩] على هذا المذهب، مجتمعة [¬١٠] عليه، لا يُعرَف لغيره بِها قائم [¬١١].
وأما أهل الأندلس فكان رأيهم منذ فُتحت على رأى الأوزاعي إلى أن رَحل إلى مالك زيادُ بن عبد الرّحمن، وَقرْ عُوس بن العبّاس، والغاز بن قَيس، ومَن بعدَهم [¬١٢]، فجاءوا بعالمه، وأبانوا للناس فضله [¬١٣] واقتداء