اللَّائِي تَقُولُونَ لَهُنَّ هَذَا فِي التَّحْرِيمِ كَأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَكِنَّهُ مُنْكَرٌ وَزُورٌ، وَفِيهِ كَفَّارَةٌ نَذْكُرُهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُجَادَلَةِ. ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] يعني من تبنيتموه ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] فِيهِ نَسْخُ التَّبَنِّي، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَتَبَنَّى الرَّجُلَ فَيَجْعَلُهُ كَالِابْنِ الْمَوْلُودِ لَهُ يَدْعُوهُ النَّاسُ إِلَيْهِ وَيَرِثُ مِيرَاثَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْتَقَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْكَلْبِيَّ، وَتَبَنَّاهُ قَبْلَ الْوَحْيِ وَآخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَمْزَةَ بْنِ عَبَدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَكَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، قَالَ الْمُنَافِقُونَ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأَةَ ابْنِهِ وهو ينهى الناس من ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَنَسَخَ التَّبَنِّي، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] لَا حَقِيقَةَ لَهُ يَعْنِي قَوْلَهُمْ زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَبٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب: ٤] يعني قَوْلُهُ الْحَقُّ، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] أي يرشدهم إِلَى سَبِيلِ الْحَقِّ.
[٥] ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] الذين ولدوهم، ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾ [الأحزاب: ٥] أعدل ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] يعني فَهُمْ إِخْوَانُكُمْ، ﴿فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] إن كانوا محررين وليسوا بنيكم، أَيْ سَمُّوهُمْ بِأَسْمَاءِ إِخْوَانِكُمْ فِي الدِّينِ. وَقِيلَ: مَوَالِيكُمْ أَيْ أَوْلِيَاءُكُمْ فِي الدِّينِ، ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] قَبْلَ النَّهْيِ فَنَسَبْتُمُوهُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ومن دُعَائِهِمْ إِلَى غَيْرِ آبَائِهِمْ بَعْدَ النَّهْيِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ أَنْ تَدْعُوهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذَلِكَ وَمَحَلُّ (مَا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا تَعَمَّدَتْ﴾ [الأحزاب: ٥] خفض ردا على ﴿مَا﴾ [الأحزاب: ٥] الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] مَجَازُهُ وَلَكِنْ فِيمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وهو يعلمه فالجنة عليه حرام» (١) .
[٦] قَوْلُهُ ﷿: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] يَعْنِي مِنْ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فِي نفوذ حكمه فيهم وَوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَيْهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ: يَعْنِي إِذَا دَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَدَعَتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ إِلَى شَيْءٍ كَانَتْ طَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ أولى بهم من أنفسهم، وَقِيلَ: هُوَ أَوْلَى بِهِمْ فِي الحمل على الجهاد وبذلك النَّفْسِ دُونَهُ. وَقِيلَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخْرِجُ إِلَى الْجِهَادِ فَيَقُولُ قَوْمٌ: نَذْهَبُ فَنَسْتَأْذِنُ مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَنَزَلَتِ الآية، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا أَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اقرءوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فليرثه عصبته من كانوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فليأتني فأنا مولاه» (٢) .