فهو يدل على الوجوب. ووجه كونه بياناً أن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ والجنابة، وإن كانت معلومة المعنى لغة إلا أن معرفة المقدار الموجب للغسل من العلاقة الجنسية أمر مبهم، فبُيِّن بالفعل.
وعندي في هذا الجواب نظر، لأنه إذا كان قد سبق قوله ﷺ: "إنما الماء من الماء" فقد حصل البيان به، والفعل الزائد مستحب أو خاص حسب ما تقضى به القواعد الأصولية. فلعله ﷺ يكون قد اغتسل استحباباً أو زيادة في التنظف.
٢ - وأجيب أيضاً: بأنهم أوجبوه لكونه شرطاً في صحة الصلاة، فيكون مأموراً به، لدخوله تحت الأمر في قوله ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١). وليس هذا الجواب بمرضي أيضاً. وقد تقدم القول في دلالة حديث "صلوا كما رأيتموني أصلي".
٣ - وأجيب أيضاً أن عائشة لما قالت ذلك في معرض الاحتجاج على ما يوجب الغسل، وفصله مما لا يوجبه، قصدت بالإخبار به الأخبارَ عن أن النبي ﷺ كان يراه واجباً، فوجب تبعاً لذلك. فليس ذلك فعلاً بيانياً، وإنما هو فعل مجرد قام دليل وجوبه في حقه ﷺ، فيجب في حقنا، على قول المساواة الآتي.
٤ - وأيضاً: لعلها أخبرتهم بما كانت ترويه من قوله ﷺ (٢): "إذا جلس بين شعبها الأربع، ومسّ الختان الختان، فقد وجب الغسل". فإن أبا موسى الأشعري، لمّا اختلف المهاجرون والأنصار في ذلك، سألها، فروت له قول النبي ﷺ: "إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل". هذه رواية مسلم. وفي الموطأ (٣)، قالت: "إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل".
فهذا ما ينبغي أن يعتمد في الجواب عن هذه الشبهة (٤).