في شأن الحدود ولا يتوانى في تطبيقها ولا يقبل الشفاعة فيها وغير ذلك - لم نرتَبْ في القول بأن النص هاهنا يدل على وجوب الجلد ثمانين قطعًا.
ومما ينبغي تقريره هاهنا هو أن الكثرة الكاثرة من النصوص التي تدل على أحكامها قطعًا لا تخلو - على الرغم من قطعيتها - من «دلالات ظنية» على جوانب ومتعلَّقات الحكم المقطوع.
فقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وإن كان - مع ما احتفّ به من قرائن - قاطعًا في وجوب الجلد ثمانين فإنَّه - مع ذلك - ظنيٌّ في كثير من جوانب هذا الحكم ومتعلقاته:
فمثلًا: النص مطلق في طلب الجلد بغضّ النظر عن محلّ الجلد أهو الظهر أو البطن أو الأطراف، وبغض النظر عن الشيء الذي يتم به الجلد، وبغض النظر عن شدة الجلد ودرجة قوته.
ثم إن النص عام في المجلودين، لذا فهو يقبل التخصيص بدليل كما هو الشأن في العبد إذ قد جلده الخلفاء الراشدون أربعين على النصف من حدِّ الحُر (¬١).
وكذا هو عام في مكان الجلد حيث منع العلماء من إقامة الحد في المسجد (¬٢)، وكذا حصل خلاف في إقامة الحد في الغزو وفي دار الحرب (¬٣).