وما اعتذر به السبكي الوالد عمّن عرف العلة بالباعث من الشافعية بأنه قصد بذلك أن العلة باعثة للمكلف على الامتثال، فهو أبعد ما يكون عن الصواب؛ بدليل أن الغزالي، وهو أحد من أطلق لفظ «الباعث» على العلة، صرّح بأنها باعثة للشرع، حيث قال: «إنا لا نعني بالعلة إلا باعث الشرع على الحكم» (¬١) وهذا صريح في أن فقهاء الشافعية لا يعنون بالبعث بعث المكلف على الامتثال - كما ادعاه السبكي - وإنما بعْث الشارع على الحكم؛ ولذا قال العطار (¬٢) منتقدًا كلام السبكي آنف الذكر: «هذا أمر مخترع لوالد المصنف لا معنى له، لأن البعث للحاكم على شرع الحكم أي إظهار تعلقه بأفعال المكلفين» (¬٣).
وأما الثمرة الخلافية التي رتبها ابن السبكي على هذه المسألة - وهي مسألة جواز التعليل بالعلة القاصرة وعدمه - فمِمّا لا يُفرح به، وذلك لأنه قد سبق بيان أن الخلاف في صحة العلة القاصرة - كهو في هذه المسألة تمامًا - لفظي لا أكثر.
وبعد السبكي جاء الزركشي، المتوفى سنة ٧٩٤ هـ، ليؤكد مرة أخرى أن الخلاف في هذه المسألة معنوي لا لفظي، ثم لينقل لنا عن الأبياري (¬٤) شارح